تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…بيد أن حفل المصالحة الذي جرى، بعد فترة وجيزة، بين عائلتي النجار و أبو سالم، صرف الناس عن متابعة اهتمامهم بالحادث، لاسيما وأن هذه المصالحة تعرضت لاحتمالات شتى، خلال السنوات الأخيرة، ولأنها كانت على هذا القدر من الأهمية، فقد شوهد أهل القرية يهرعون، عصر ذلك اليوم، زرافات ووحداناً، صغاراً وكباراً، إلى ساحة البلدة، التي أقيم فيها سرادق عظيم، قريباً من ضريح الصحابي" أبي هريرة". وإذ لم يتسع السرادق إلا لعلية القوم، افترش الآخرون الأرض المواجهة له. كفَّ الناس عن لغطهم حينما شرع الشيخ "لطفي عوض الله" في تلاوة آيات من الذكر الحكيم. لم يكن صوته رخيماً كصوت الشيخ " محمد رفعت " الذي ألفوا سماعه، كل صباح ومساء، من (الراديو)، الذي لما يزل أعجوبة في نظر الكثيرين، أمثال والدتي، وأم مريم، والحاجة أم سايحة.

…راقني المشهد :المنصة.. السرادق الفخم. كراسي الخيرزان. البسط الملونة على الجدران .

…وقفت والعديد من رفاقي فوق قبور مرتفعة في مواجهة السرادق، مما أتاح لنا مشاهدة ما يجري من فوق الرؤوس المزروعة ما بيننا وبينه، غير آبهين بمن يزجروننا لوقوفنا على قبور الموتى .

…عن كثب، بدا محمد يوسف ابو سالم، ومحمد طه النجار، ومن حولهما العديد من أفراد أسرتيهما، في الصفوف الأمامية، وقد ارتدوا ثياباً فاخرة، وعباءات سوداء وقرميدية الألوان، وعلى رؤوسهم الحطة والعقال، وفي الأيدي سبحات يعبثون بحباتها. وإذ فرغ الشيخ لطفي من تلاوته، سادت لحظات صمت وترقب، وكأن أحداً يخشى أن تنفجر قنبلة. وقف الاستاذ شاكر، باعتباره المثقف و(المتعلم) الأكبر بين الموجودين قاطبة، ثم توجه إلى المنصة. وضع كلتا يديه على المنضدة، منحنياً قليلاً إلى الأمام، ليشرع في النظر يإنعام في مختلف الاتجاهات، يتفرس الوجوه، كأنما يبحث عن شيء، قبل أن يتنحنح، توطئة لبدء حديثه الرزين، بصوته ذي النبرة الجهورية العميقة :

روايات · الصفحة ٤٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٧٨