…شغلت القرية حادثة صبحي السيلاوي، عن كل ما عداها، ردحاً من الزمن. لم يعد هؤلاء يتحدثون عن الحرب، وتقدم الألمان، عن الهجرة اليهودية وتواطؤ الانكليز، أوحتى عن الغلاء , أنحى كثيرون باللائمة على الأستاذ شفيق، يتهمونه، وسائر المعلمين، بالتقصير في رعايتهم للتلاميذ أثناء الرحلة، فيما ذهب آخرون إلى التنديد بالأستاذ شاكر نفسه، الذي لم يشارك في الرحلة، وكان حرياً به ألا يسمح بها أصلاً لما تنطوي عليه من أخطار. و "لكن هذه هي نتيجة الاستهتار بأرواح العباد..!"
…ترددت شائعات عن اعتزام (آل السيلاوي) على الأخذ بثأر ولدهم، وشائعات تقول بأن الولد كان يغرق فيما كان المعلمون "الأشاوس" يلعبون طاولة الزهر.. بل الضامة.. وقد تبين، فيما بعد أن مصدر تلك الأنباء المتباينة كان "محمد الشريف "، الرجل الغريب، الذي وفد إلى القرية منذ سنين، مدعياً بأنه دخل في الأسلام، تاركاً دين آبائه وأجداده الأولين. فتنكر له ذووه، وناصبوه العداء. وهو، لذلك لا يبغي الآن شيئاً أكثر من الاقامة في هذه القرية النائية عنهم ما بقي له من عمر. وأعلن أنه اتخذ هذا الاسم تيمناً بصاحبه وشاهداً أكيداً على صدق إسلامه. ثم افتتح محمد الشريف دكاناً للبقالة، بمعونة (أهل الخير) في القرية، الذين تعاطفوا معه، وقرروا الوقوف إلى جانبه. وتعمد أن يكون حانوته قريباً من الجامع، ما أمكن، كيلا تفوته صلاة جماعة واحدة، ما دامت هذه تعدل سبعاً وعشرين من الصلاة الفردية. أي أن المسألة تماماً كتجارة الجملة والمفرق كما يرى ..! وتزوج امرأة من القرية هي "حفيظة" أرملة "حسن ابو عميرة"، متكفلاً بابنتها من زوجها المتوفى، التي آلى على نفسه بأن يعاملها كما لو كانت ابنته من صلبه، ففي ذلك مزيد من الثواب، يضمنه عند الله، يوم الحساب ..!
…وحينما واجهه بعضهم بما صنع في القرية، بادعاءاته، وما نقل عنه من شائعات، زعم بأن ذلك صدر عنه بحسن نية، وبسبب من تعاطفه مع آل الفقيد الذين روَّعه مصابهم، لاسيما وأنهم جيرانه.. وأن "النبي عليه السلام أوصى بسابع جار "، (فما بالكم إذا كان هذا الجار ملاصقاً لجدار دكاني ..!؟)