…هبَّ المعلمون من قيلولتهم وقوفاً، على أقدامهم مرة واحدة. هرعنا جميعاً نحو الشاطئ، يسبقنا هلعنا وعيوننا بحثاً عن ذلك الغلام. دوت الصفارة التي كانت إيعازاً لنا بالخروج إلى الشاطئ. قذف رجلان - جاءا قبل قليل يقودان جملين - بنفسيهما في لجة الماء. كذلك فعل المعلمون جميعاً. وسرعان ما خرجوا ثانية، حين ظهر على كتف واحد من الجمَّالين، غلام انطوى جسده فوق كتف الرجل، فتدلى رأسه على ظهره، فيما نصف جسده الأسفل على صدره. طرح الغلام أرضاً، فيما بادر الرجل الثاني إليه، وشرع في الضغط على خاصرتيه. وما راعنا إلا أن رأينا رغوة بيضاء تنساب من فمه، ثم رفعه هذا ممسكاً بساقيه إلى الأعلى، بحيث أصبح رأسه إلى الأسفل، يوشك أن يلامس الرمال، فيتدفق المزيد من الماء والزبد من فيه ومنخريه. طفق الرجل الآخر يضع أذنه على صدر الغلام، يستمع إلى تنفسه. تبين لنا، في هذه الأثناء، ونحن نتدافع هنا وهناك أن الغريق لم يكن سوى صبحي السيلاوي .
…كان الفزع بادياً في وجوه المعلمين، وعلى حركاتهم المضطربة. أيديهم تضرب كفاً بكف.. عيونهم معلقة بين الغلام، و وجه الرجل، مستطلعة ضارعة. توقف الرجل بغتة. أطرق أرضاً قبل أن يقول، بصوت خفيض متهدج :
…- العوض على الله يا جماعة ..
…موكب العودة يمضي في صمت مهيب. لا يسمع سوى حفيف الأقدام فوق الرمال. رفيقنا ملقى على ظهر الجمل، يقوده الرجل الغريب. المعلمون والأستاذ شفيق يحيطون به. رؤوسهم منغرسة في صدورهم، يحملقون في الرمال كأنما يحصون حباتها. طال الطريق وطال. حتى حسبنا أنه لن ينتهي، لكننا تنبهنا أخيراً على أصوات تصدح من بعيد من أكثر من مذياع :
….. يا ريتني طير لا طير حواليك.. مطرح ماتروح عيوني عليك.. لكن ياريت ..
….. افرح يا قلبي لك نصيب.. تبلغ مناك ويا الحبيب.. افرح ياقلبي ..
…اندفع جمهور من أهل القرية باتجاهنا، ملوحين بأيديهم، هاتفين ملء حناجرهم، وكأنما أدركوا بالحدس ما حدث. وما أن بلغنا الساحة حتى اختفى الجمل بين الجمع الحاشد ...
…وضعتُ في الزحام.. وعتمة الغسق .
- 26 -