تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…صبحي السيلاوي كان أكثرنا حركة ومرحاً، منذ بداية الرحلة. لكنه الآن صمت بغتة، ثم سرح ببصره بعيداً، على صفحة الماء المتلألئة كالمرايا، لكي يفاجئنا بقوله الغريب :

…- ترى كم من البشر اختطف هذا البحر على مر الزمان ..!؟ كم عمره هذا البحر ..؟ تعالوا نسأل الشيخ محمد ..!

…ربما خطر لي سؤال مشابه، لكنني لم أجرؤ مثله، على البوح به. بعد لحظات صمت، أخذ يردد، بصوت هامس، وهو ما يزال في شروده، آية كريمة، كنا قرأناها في درس الديانة، منذ ايام، شرحها لنا، الشيخ محمد، متعجلاً يومئذ :

…" قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي، ولو جئنا بمثله مدداً. صدق الله العظيم ".. سامعين يا اولاد ..؟

…نظر بعضنا إلى بعض في دهشة. لم يفهم أي منا لماذا قال أبن السيلاوي هذا الذي قاله. ما الذي ذكره بدرس الشيخ محمد الآن. أم لعله يحاول حفظ الآية الكريمة من أجل (تسميعها) في درس الديانة غداً.. ولكن هل هذا وقته ..؟

…لم نلبث طويلاً حتى نسينا الأمر كله ..! استأنفنا عراكنا مع الأمواج، حين كانت الشمس تنحدر غرباً، فيما استلقى معلمونا فوق الرمال، في قيلولة رخية، بعد تناولهم غداءهم، الذي ايقنا أنه كان دسماً وشهياً. ما فتئ صخب الفتية على أشده. وما أنفك الموج ملتحماً في معركته الأزلية، كراً وفراً. والغلمان بأجسادهم النحيلة السمراء يرتعون تحت وهج الشمس. انقضى الوقت منسياً تماماً، يتسرب حثيثاً كحبات الرمال بين أصابعنا. اكتشف واحد منا أنه إذا حفر في الرمل مقدار شبر أو شبرين، انبثق الماء من جوف الرمل عذباً سائغاً للشاربين. وسرعان ما عمم هذا اكتشافه على الرفاق، الذين انكفأوا بدورهم على الأرض، أو جلسوا القرفصاء يستخرجون الماء من باطنها، من عشرات الحفر التي رصَّعت رمال الشاطىء في لحظات.

بغتة شقت الفضاء صرخة غلام مرتاع :

….. يا استاذ.. يا أولاد.. في ولد بيغرق ..

روايات · الصفحة ٤٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٧٥