….. يا أستاذ شفيق.. يا شيخ محمد.. اخلع الجبة.. يا أستاذ غنيمي ورينا همتك ..!
…العم زكي وحماره، وحدهما حافظا على هدوئهما، إذ لاحا عن بعد، في مؤخرة الموكب يسيران الهوينا، في صمت رزين، ينبئ عن وطيد الألفة بينهما..!
…أنسام البحر تنداح رخية منعشة. هدير الأمواج يبتلع أصواتنا. الشمس ترقى في السماء صعوداً، فتتقاصر الظلال، وينتشر الدفء. تغمر بنورها الرمال فتبدو بساطاً متموجاً من الذهب. مياه البحر تلوح أكثر زرقه كلما اقتربنا منها إلى أن توقفنا أمامها نلتقط أنفاسنا مأخوذين بسحرها ورهبتها معاً، نرنو للأمواج المتدافعة، كأن بينها سباقاً. يعلوها الزبد حين تبلغ الشاطئ، فتنكسر على رماله، ثم ترتد عنه حسيرة، تمضي في البعيد، مخلفة حطامها فوق طبقة رقيقة من الحصى والزلف والأصداف الملونة، يرشح منها الماء مرسلاً هسيساً هامساً، ما إن يتلاشى حتى ينقض الموج، يعيد الكرة من جديد.
تساءلت في سري " منذ متى ..؟ وإلى متى ..؟ وإلى أين ..؟ "
لم أتوقف عند تساؤلي، إذ سرعان ما دفعني أحدهم فالفيت نفسي في لجة الماء، أضرب بيدي وقدمي، يتطاير الرذاذ فوقي ومن حولي، تصعد بي موجة وتهبط بي أخرى.. يالروعة البحر.. برودة الماء ورهافة النسيم.. أراجيح الموج.. وصخب الرفاق.. رفوف العصافير فوق رؤوسنا ومن حولنا، خافقة أجنحتها في لجة سماء زرقاء صافية، تحتضنها كأم رؤوم حانية ..
…أمضينا سحابة نهارنا، نسبح حيناً، نتراشق بالماء والرمل حيناً، نخرج إلى الشاطئ، ندفن أجسادنا في الرمال الرطبة، إلى أن يبلغ منا الأعياء مبلغه .
…تجمعنا في حلقات، كي نتناول غداءنا. يداعب النسيم أشجار الكينا التي تفيأنا ظلالها، والمياه بساط أزرق بلا نهاية يمتد على مدى البصر فتتلاقى مع زرقة السماء بعيداً عند الأفق، تبعث الرهبة في نفوسنا رغم ما يعترينا من مرح. المعلمون يفترشون الرمال تحت ظلال شجيرات النخيل، معهم العم زكي وحماره. كانوا منهمكين في إعداد طعامهم. لم يكونوا على بعد منا يحول دون وصول رائحة الشواء إلينا. بالحدس والتخمين والتحزير أدركنا أنهم يصنعون (قدْرة خليلية)، قوامها الأرز واللحم والكثير من التوابل، مما أثار حنقنا عليهم، كما أثار فينا، في الوقت نفسه، بغضنا للجبن والزيتون، وعزوفنا عن الزعتر ..!، محتويات (الصرر) التي جلبناها في حقائبنا، فضلاً عن البصل، وحبات من البرتقال ..