…مذ أخذ الدفء يتسلل مع شمس آذار عمد الأستاذ شفيق إلى البدء بنشاط رياضي عارم. ففضلاً عن التمارين الصباحية، والتدريب اليومي على ألعاب رياضية مختلفة، استعداداً للمشاركة في مهرجان الألعاب الذي سوف يقام في مدينة يافا، شرع بتشكيل فريق لكرة القدم، قوامه التلاميذ من الصفين الأخيرين. عصر كل من يومي الأحد والأربعاء، نمضي إلى أرض (الحراز)، جنوبي القرية، حيث ينبسط السهل، يحيط بأطرافه جميعاً سياج كثيف من الصبار. تقع خلفه وعلى جوانبه بيارات البرتقال الممتدة حتى تخوم الكثبان الرملية، المترامية حتى البحر. يشاركنا اللعب معلمونا، بمن فيهم الشيخ محمد، الذي كان مظهره طريفاً حين يخلع جبته السوداء، ولكنه لا يتخلى عن عمامته أثناء اللعب. وإذ يعدو، ملاحقاً الكرة بقوامه الطويل النحيل، تمتد يده تباعاً، صعوداً ونزولاً، إلى عمامته تلك كي يبقيها في مكانها، وخشية أن تقفز من فوق رأسه. ولا نكف عن اللعب قبل أن يبدأ قرص الشمس بالاختفاء وراء بيارات البرتقال، غائصاً في سوافي الرمال. عندها نقفل عائدين، جنباً إلى جنب مع قطعان الماشية، التي تملأ الجو ثغاءً وخواراً، مثيرة غباراً كثيفاً، يعبق الجو من حولنا برائحة صوفها، وعرقها، وروثها ..!
…فاجأنا الأستاذ شفيق، ذات صباح، ببشرى هزتنا فرحاً، حين أنبأنا بأننا سوف نتبارى مع فريق قرية القبيبة. صحيح أنه حدثنا عن ذلك من قبل، لكننا لم نكد نصدق، ربما لأنه يحدث لأول مرة. لهذا كانت فرحتنا عظيمة، وبتنا نعد الأيام انتظاراً للموعد المقرر .
…أقلتنا حافلتان، حيث رافقنا عدد من المشجعين المتحمسين. وسرني أن أخي سعيد كان بينهم. لقينا استقبالاً حافلاً وبهيجاً عند مدخل القبيبة، حيث ارتفعت أشجار السرو، والكينا الباسقة على جانبي الطريق، فغمرته ظلالها الوارفة. اصطف تلاميذ مدرستها، وأمامهم معلموهم وقفوا في باحتها التي تكتنفها الأشجار والزهور. ارتفعت أصواتهم تصدح بالأناشيد. زغردت النساء، عند أبواب الدور، فيما احتشد جمهور حول سور المدرسة، وعند بوابتها يصفقون ويهتفون. أصابنا الزهو وتخيلنا أنفسنا وقد انتصرنا على فريق القبيبة، مما زادنا إعجاباً بأنفسنا واعتداداً ..!