…حزن والدتي المقيم لا يبارحها. أعباء المعيشة تزداد يوماً بعد يوم، والحرب تلهب الأسعار هنا تماماً كما تلهب ميادين القتال في البعيد. الأولاد يكبرون، وتكبر معهم همومهم، لا سيما كبيرهم. الجيران لا ينسونها، ولا يحجمون عن الوقوف إلى جانبها كلما ألمت بها ضائقة. الحاجة أم سايحة، على وجه الخصوص، ترسل إليها، إذا حل الصيف، يوماً سلة عنب من كرمها، ويوماً مقطفاً من التين أو الصبار. أما الخضار، من خيار، وبندورة، وبقدونس، ونعناع، فالحاكورة، خلف الدار، كفيلة بها. أم مريم تزودها، لماماً، بالجبن والكشك، ولا تنساها من الزعتر والمريميه. البرتقال لم يكن يوماً مشكلة، ففي موسمه لا ينقطع وروده من دار الجمل أو الحاج أبو عون. والناس جميعاً يتوزعونه دون أن يتقاضوا له ثمناً. والدجاجات تبيض عشر بيضات في اليوم الواحد، لكن هناك ضرورات أخرى : ملابس.. دفاتر.. أحذية ..
….. وكليها لله يا عائشة.. البني آدم يخلق ورزقه معه ..
….. والنعم بالله.. يا ختي يا خضرة.. وعليه الاتكال ..
…تقولها بانكسار. وأتمنى لو يسعني أن أصنع من أجلها شيئاً .." لو كنت مكانك يا سعيد لما تركت أمنا في مثل هذه الحال .."
…في موسم الحصاد، يمكن بيع شيء من القمح، وتمضي الأمور على خير، لا سيما وأن العم عبد الغني جاء بالأمس يبشر بموسم حصاد جيد. فلقد زرع الأرض قمحاً، في وقت مبكر، هذا العام، والأمطار جاءت غزيرةمنذ أوائل هذا الشتاء. يؤكد ذلك (الدلف) الذي كاد يغرقنا، لولا أننا نهرع، إلى وضع الأواني، كالطناجر والصحون، هناوهناك، تحت هذه القرميدة وتلك، نتقافز أنا وأحمد وعلياء إلى حيث تسَّاقط قطرات المطر، ثم نقبع، كي نتفاداها، في الزوايا، ولصق الجدار، مما حدا بها أن تؤكد من جديد، عزمها على "إصلاح هذا القرميد.. عند حلول الصيف القادم.. إن أحيانا الله.. "
…تنظر إلى الأعلى في ضراعة مرددة بابتهال هامس :
….. يا من سترت ما مضى.. استر ما بقى ..
- 25 -