تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…أخذت أتردد على الجامع، صعوداً ونزولاً، عند كل فجر ومغرب وأصيل. لا سيما بعد أن سمعت في آخر صلاة للجمعة، من الشيخ علي العطار نفسه، بأن صلاة الجماعة تعدل سبعاً وعشرين ضعفاً من تلك المنفردة. وحاولت - بهذه المناسبة - أن أفيد من إجادتي مؤخراً لحفظ جدول الضرب، فوجدت المحصلة تغدو رقماً كبيراً فيما لو تابعت خطاي السير على ذلك النحو لعدد من السنوات القادمة ..!

…ما عتم أن حل عيد المولد النبوي، فانتابني غير قليل من الابتهاج. ألبستني والدتي أفضل ثيابي (قمبازاً) أملس موشىَّ بخطوط بيضاء وزرقاء، وفوقه معطف أسود لا أعرف مصدره، إذ كان يرتديه أخي سعيد من قبل، وكوفية بيضاء وعقالاً أسود. ولم تخف أمي أسفها لعجزها عن استبدال هذه الأخيرة بطربوش قاتم اللون. ولكن (ما الحيلة يا بني.. العين بصيرة واليد قصيرة ..!). جلست مع من هم في مثل سني، في الصفوف الأخيرة الملاصقة للرواق. رحت أتابع، ورفاقي، قراءة قصة المولد، يتلوها عدد من المقرئين الذين بدا واضحاً أنهم يحفظونها عن ظهر قلب، على نحو يدعو إلى الإعجاب .

…الجمع ينصت، وقد عبق المكان برائحة البخور، التي ازدادت نفاذاً بفعل الرطوبة المنبعثة من جدران المبنى العتيق، والتي لم يخفف منها عدد من النوافذ ذات الزجاج الملون، أخضر وأحمر وأزرق. على مسافات متباعدة من الجدران نقشت آيات من القرآن. وفوق المنبر كتبت أسماء بلون الذهب : (الله) في الوسط. ثم على الجانبين : محمد - أبو بكر - عمر - عثمان - علي .

…أتأمل العمود الضخم الذي جلست إلى جواره، ثم ألحظ الرجل الذي يدور بإبريق الليمون، ثم آخر بإبريق ماء الورد، زاهي الحمرة والصفاء. تمنيت لو يكون نصيبي من هذا الأخير. فالليمون يمكن أن أحظى بمثله في بيتنا، حيث تجلس النسوة الآن - ما بين العصر و المغرب - أمام البيوت، يحتفلن بدورهن بالمناسبة. ما لبثت أن تنبهت للقوم وهم يهبون، بغتة، وقوفاً ينشدون معاً بأعلى أصواتهم :

….. صلى الله على محمد .. صلى الله عليه وسلم ..

…نهضت سريعاً لأصنع الشيء ذاته. لا بد أن أغدو يوماً ذا شأن عظيم من التقوى والورع. لسوف أنحو طريق الرسول ذاته.. ولكن أنىَّ لي مثل غار حراء..! وهل تدعني والدتي أذهب إلى أبعد من بيارة خالها الحاج مصطفى أبو عون ..! ومريم؟ أقاطعها عندئذ، أم ماذا ..؟ ومي.. ودروس الجبر والحساب..؟

روايات · الصفحة ٤٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٦٥