…أما خالي.. لأدعونَّ الله عندئذ ،أن يذهب به متطوعاً في الجيش البريطاني، حيث لا يعود إلينا بعد ذلك أبداً، كما حدث لحلمي المجدلاوي، وصابر الحملاوي، وممدوح البهنساوي. ولا بد أن جدي، بسبب من حزنه الشديد على ولده، سوف يكف عن ملاحقة والدتي بشأن الزواج .
…اعتصرني الزحام عند مغادرة المسجد حتى أوشكت أن اقع مرة أو اثنتين، فيما يردد الجميع أدعية وتبريكات إبان الخروج، وأثناء بحث واحدهم عن حذائه، بين الكومة الكبيرة من الأحذية، وهو لا يني يلعن الشيطان الذي أضاع له حذاءه..! فيعقب آخر بأن الشيطان لا عمل له في مثل هذه المناسبة، ومثل هذا المكان. وهو أيضاً لن يشغل نفسه في مسألة كهذه ..!
…أيقنت بأن الله قد اختصني بضرب من الكرامة التي أنتظرها - وربما العناية الألهية الخاصة - وذلك عندما ألمَّ مرض بأحد أبناء خالتي (نعمة) التي طلبت إليَّ أن (افتح له) لكي أرى ما إذا كان ابنها من (أبناء الحياة)، و أنه سوف يبلُّ من مرضه ..! كان شبحاً لطفل في عامه الثاني. التصق جلده بعظامه. غارت عيناه، صدره يعلو ويهبط في تسارع شديد، وأنفاسه تتحشرج. جلده يكاد يحترق. الخالة جفت دموعها ليأسها من شفائه. كذلك زوجها (الهندي). أداروا وجهه نحو القبلة، بناء على نصيحة إحدى الجارات، انتظاراً لإسلامه الروح لبارئها. قالت إن " السر الألهي" سوف يصعد إلى خالقه بعد لحظات. ثم أضافت (مبشِّرة) خالتي، بابتهاج واضح، بأن ابنها هذا سوف يغدو طيراً في الجنة، يرفرف على كتفيها، بعد أن يحين أجلها هي الأخرى ..!
…حتى الرُّقى لم تُجْدِ شيئاً. كان آخرها ماقامت به الحاجة نفيسة العطار. أدارت البخور الذي ملأ جو الغرفة برائحته الزكية، وهي تردد، فيما يدها اليمنى فوق جبين ابن الخالة المحتضر :
…رقيتك واسترقيتك من عين أمك وأبوك .
…رقيتك واسترقيتك من عيون الحسَّاد اللي شافوك ومن عين اللي مايصلي على النبي.
…همست خالتي بصوت خافت :
... الله يسمع منك يا حاجة ..
... على رأي المثل خذ من عبد الله وتوكل على الله ..!