تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…لكثرة ما كان الجيران - لا سيما النساء - يمتدحون مسلكي، ويطرون خلقي، ولأنني كنت، في ذات الوقت، أقرأ شيئاً من سيرة الرسول عليه السلام. والخلفاء الراشدين، المقررة علينا في المدرسة، بت أعتقد بأنني قمين بأن أغدو واحداً من أولئك الأولياء الصالحين، الذين لا تخلو أحاديث الأمسيات، على المصاطب، أمام أبواب الدور، من ذكرهم و وصف كراماتهم والمعجزات التي تجري على أيديهم، كالشيخ الرفاعي، والسيد البدوي، قدس الله سرهما. وكيف أن هذا الأخير " جاب الأسير من بلاد الهند بحديده بعد أن مد من الشباك (إيده)..!". وأن ولياً آخر كانوا يضعون إبريق الماء عند ضريحه في المساء ليجدوه فارغاً في الصباح. ولا معنى لهذا سوى أن ولي الله استخدم ذلك الماء في الوضوء لصلاة الفجر ..! بل إن الكثيرين كانوا يذهبون إلى حد القول بأن هؤلاء الأولياء - بعضهم على الأقل - يمشي بيننا دون أن ندري. وأن هناك من الأحياء - هكذا تقول الحاجة أم سايحة - من هم أولياء، دون أن يعرف أحد عنهم ذلك، إذ هم حريصون على التستر، فلا يظهرون كراماتهم للعيان. ومن هؤلاء " أهل الخطوة " كالشيخ حسن الجمل، الذي لا يبعد منزله كثيراً عن منزلنا. الشيخ حسين هذا كان بوسعه أن يكون في جامع البلدة هذه اللحظة، وفي مكة المكرمة، في اللحظة التي تليها، مجتازاً آلاف الأميال، مخترقاً البر والبحر أو الفضاء في طرفة عين، وبالجسد لا بالروح وحدها ...!

…جنحت إلى العبادة والتعبد لكي أصبح واحداً من هؤلاء. ولقد استهوتني فكرة اختصار الزمان والمكان بمجرد الرغبة في ذلك. فضلاً عن إمكان المشاركة في الأمسيات، وتناول العشاء مع من أشاء، دون أن يروني أو يشعروا بوجودي بينهم. رحت أبالغ في تعبدي، حين علمت أن مزيداً من الصلاة والتهجد، يمكن أن تدفع واحداً من الملائكة الذين قد يصادف مرورهم بقريتنا إلى زيارتي، ثم تكليفي بمهمة إصلاح البشر من أهالي قرى يبنا والقبيبة وما حولهما ..! تلك المهمة التي كان يطمح إليها الشيخ " العطار" إمام الجامع، - فيما يتناقل الناس عنه - والذي كان دائم الشكوى إلى حد اليأس من إمكان إصلاح أي من هؤلاء البشر، سواء في خطبة يوم الجمعة، أو أحاديثه في المسجد عقب صلاة العصر.

روايات · الصفحة ٤٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٦٤