…خطر لي أن جدي، إذاً، وبعملية حسابية - ربما لا تكون بسيطة - يعرف أكثر من أمي بألف سنة على الأقل ..! انتابها القلق من جديد. هذه المقدمات تعني دائماً أن وراءها أخباراً غير سارة، وإلا لما احتاج صاحبها اليها .
…كالفئران المذعورة أطبق علينا الصمت، فيما أعيننا تنتقل في حذر ما بين أمنا باشفاق، وبين الجد والخال في سخط لا تشوبه شائبة، أكثر من أية مرة سابقة. بدت لي تقاطيع وجه جدي بغيضة وغير متناسقة ..! أنفه الكبير هذا حبذا لو قص قليلاً من جانبيه. عيناه الضيقتان تجلبان المقت. أسنانه التي أصفر لونها، كأنياب نمر رأيت صورته صباح اليوم في كتاب قراءة علياء ..!
…كان الخال رمضان يتابع كلمات أبيه، والنظر إلى والدتي، في ذات الوقت، عله يستشف ردها المرتقب، دون أن ينسى الالتفات إلينا بعينين تفتقران إلى المودة. تقولان بصمت ولكن بوضوح (أنتم العائق الأكبر أيها الملاعين). لكنه رأى أن يسهم بكلمة من جانبه، يشدُّ بها أزر أبيه، فقال وكأنه يلقي بحكمة أُلهمها للتو :
…- أنت صبية يا أختي. والناس ألسنتهم طويلة ..!
…انتفضت والدتي وصاحت :
…- حول ماذا ألسنة الناس طويلة يا رمضان؟ مرة أخرى تعود لهذا الكلام الفارغ ؟
…قال جدي ملوحاً بيده :
…- لا شيء طبعاً يا ابنتي، فأنت أطهر من ماء السماء .
…- إذاً لماذا تكون ألسنة الناس طويلة ؟
…- هي هكذا.. فماذا نصنع؟
…- اذن لندعهم وشأنهم ..
…- حتى لو تركنا الناس وشأنهم فهم لا يتركونا وشأننا .
…- لتقطع تلك الألسنة اذاً ..!
…- هذا ما ننوي صنعه يا بنية ..!
…- انتهينا إذن، وليست هناك مشكلة ..!
…- انت لم تفهمي ما أعني يا عائشة. قطع الألسنة لا يكون إلا باتمام زواجك.
…تمالكت نفسها، و تساءلت بصوت هادئ، وهي تحدق في وجه أبيها :
…- قل لي يا أبي.. وأنت يا أخي " العزيز" هل سمعتما في حقي كلمة واحدة، منذ وفاة المرحوم، أو حتى قبلها ؟
…ردا معاً، وهما يلوحان بأيديهما باستنكار بالغ :
…- معاذ الله.. لا سمح الله.. ما هذا الذي تقولين ؟
…اعتقدت أنها حسمت الأمر الآن، فقد أفحم الرجلان، فقالت :
…- عن أي مشكلة تتحدثان إذاً ..؟
…قال جدي وهو يكتم غيظه :
…- عن مشكلة صبية مات زوجها، ويرغب أهلها في تزويجها من أحدهم، منعاً للقيل والقال، في قريتهم والقرى المجاورة ..!
…- والقرى المجاورة أيضاً ..! لماذا لا نقول في فلسطين كلها بالمرة ؟
…ساد صمت ثقيل بعض الوقت قبل أن تقطعه بقولها :