…- تعرف رأيي في هذا الموضوع من زمان ..(لا تخض المي و هي مي..؟)
…- ومتى كان للبنت أن تخرج على طاعة أبيها ..؟
… - البنت. أما أنا فأم لأربعة أولاد .
…قبل أن يغادر جدي منزلنا، وإزاء إصرار والدتي على موقفها، ومن أجل مضايقتها، وممارسة مزيد من الضغط عليها، اتخذ قراراً (شبيهاً بقرار سابق) سرعان ما أيده فيه ولده، وهو أن صبية مثلها يجب ألا تترك وحدها في مثل هذه الأيام العصيبة. من ثم فإن الخال رمضان سوف يبيت عندنا منذ الليلة، لا سيما وأن دوريات الانكليز عادت، من جديد، تجوب أرجاء القرية ليلاً، وذلك بسبب اقتراب قوات رومل من العلمين. وضرب مصفاة النفط في حيفا من قبل الطائرات الألمانية ..وو.. إلى أن أوردوا كل ما سمعناه من أنباء الحرب منذ بدايتها، وكأنه حدث البارحة .
…وحين حاولت إشعارهما بأن أخاها - رغم ثقتها بشجاعته - لن يستطيع الوقوف في وجه الدوريات البريطانية. رومل وحده الذي يستطيع ذلك. لا سيما وأن هذا الأخ، من ناحية ثانية، أعزل من كل سلاح. وإذ أبدى أخوها استياءه من ملاحظاتها، التي تنم بوضوح عن عدم رغبتها في بقائه بمنزلها، أكدت له أنها لا تنتقص بذلك من قدره، وإنما هي تريد أن تجنبه المخاطر فيما لو أقتنى سلاحاً، أقلها الإعدام، الأمر الذي لا ترتضيه لأخيها بالتأكيد.
…بيد أن جدي لم يوافق على هذا التبرير، الذي اعتبره واهياً للغاية. بل قد بدا عليه الارتياح إذَّاك، ربما لأنه أدرك أن ممارسة ضغوط، من هذا القبيل، لا ريب مؤتيه ثمارها عاجلاً أو آجلاً ..!
…تبسَّط الخال رمضان عقب انصراف أبيه. وحاول التودد إلى شقيقته، وتلطيف الجو الذي خلفاه أكثر اكفهراراً من عاصفة تلك الأمسية، فطلب عشاء وشاياً بالقرفة، معقباً على ذلك بأن (بيت الانسان وبيت شقيقته واحد..!). وبعد الشاي أبدى رغبته في العشاء ..(فبيت السبع لا يخلو من العظام ..!).
تساءلت تلك الأمسية : لماذا يموت جد صديقي نعيم في حين لا يفعل جدي ذلك ..!؟ أما عن خالي رمضان فقد خلته يسقط من فوق شجرة برتقال عالية، أثناء عمله بالقطاف، فتنكسر ساقه. أما اذا أسعدنا الحظ فتكون سقطته على نحو يمكن أن يفقده النطق ..!