تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…طفق خالي يرمق والدتي، بين الفينة والأخرى، كأنما يذكرها بأن هذا الكهل الجالس أمامها هو الذي أنجبها وأتى بها إلى هذا الوجود، فهو من ثم، واجب الطاعة والولاء، كيما تنال رضاه عن جدارة واستحقاق ..! خيم صمت مشوب بالحذر، بعض الوقت. الكل ينصت لوقع المطر في الخارج. تصورت أن الكون سوف يغرق في لجة مياه تنهمر من السماء، وتنبع من أعماق الأرض. تذكرت (سيدنا نوح) والشيخ (محمد أبو العينين) الذي أكد لنا، ذات مرة، أن طوفاناً آخر ربما يقع في أية لحظة، بسبب ما يقترفه البشر من آثام في هذه الأيام ..! أما الأستاذ "شفيق" فقد أكد لنا بدوره جازماً، أنه في وقت تمطر فيه السماء عندنا، يكون صيفاً ملتهباً في مكان آخر من الكرة الأرضية..! كم هو خاطئ رأي الأستاذ شفيق هذا ..! وهل يعقل أن مكاناً في الدنيا الآن لم تغرقه مياه الأمطار هذه..!؟

…نبهني صوت جدي يتنحنح. وكان واضحاً أنه فعل ذلك من قبل. كان قد أنهى، لتوه أيضاً، لف سيجارة "عربي". أغلق العلبة، التي بدا واضحاً أيضاً أن لونها كان فضياً، في وقت من الأوقات، قبل أن يعلوها الصدا في أكثر من مكان. بلسانه لامس السيجارة، مجرياً إياها يميناً ويساراً، كي يتأكد من سلامة التصاق طرفي الورقة. قطع طرفها بأسنانه، ثم نفث ما قطع. أشعل عود الثقاب، فيما كان خالي يسابقه، محاولاً فعل الشيء نفسه لكي يشعل سيجارة والده، لكن محاولته جاءت متأخرة..! نفث في الهواء أول دفعة من الدخان، وهو يلقي براحة يده الثقيلة فوق فخذه اليسرى التي يبسطها عند جلوسه، ممدداً الى جانبها عصاه، لتعينه على عرج ألمَّ به منذ إصابتها بشظية قذيفة، يوم كان جندياً في الجيش العثماني، يحارب الانكليز في الحرب العالمية الأولى أيام السفر برلك. تنحنح توطئه، لأن يقول :

…- يا بنتي. جئناك اليوم بأمر لو وافقتنا عليه، هذه المرة، لتحققت لك سعادة الدنيا والآخرة..!

…ولما رأى والدتي لا تجيب، إذ هي حدست منذ البدء فحوى القضية التي جاءا من أجلها، أردف جدي قائلاً :

…- أنا أعرف رأيك مسبقاً في هذا الموضوع. وقد تحدثنا فيه من قبل. ولكن أباك أدرى بمصلحتك منك أنت. وكما يقول المثل "أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة " فكيف الحال بأبيك ..؟

روايات · الصفحة ٤٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٦٠