…تحلقنا حول (الطبلية) القديمة، التي حفل سطحها ببقع لا حصر لها من آثار أنواع الأطعمة التي مرت بها عبر تاريخها العريق، منذ ايام والدي الخالية. بيد أنها حظيت، تلك الأمسية، بأقراص الزلابية، على صفحتها طبقة من السكر، إضافة إلى عدد من أرغفة الطابون، والبيض المسلوق، وإبريق الشاي الأزرق، رفيق الطفولة، يتصاعد بخاره برائحة القرفة .
…وقد زاد الجو وحشة تأرجُح ذبالة السراج الشاحبة. تخبو زمناً حتى توشك أن تنطفئ، فنكتم أنفاسنا معها حتى توشك أن تنقطع. ثم تتطاول من جديد، فتفرج عن الهواء في صدورنا. تتوالى ذبذبة الضوء، تبعاً لهبات الهواء المتسللة عبر شقوق الباب، محدثة صريراً حيناً، وأزيزاً حيناً، في تناغم محزن. بل إن الباب ليندفع في لحظات، وكأن يداً قوية تحاول اقتحامه فيثير الوجل في نفوسنا. ترمق أمي السقف، بين آونة وأخرى، بعينين قلقتين، ثم تدعو الله، بصوت هامس، أن يسترنا ويحمينا من (الدلف)، هذا العام على الأقل، كيلا يضيف مزيداً لما نحن فيه. و لا يفوتها أن تضيف - للإفادة من المناسبة - رجاء، أقرب إلى الضراعة، من الباري عز وجل، بأن "يوفق الأولاد، وأن يقيِّض، لهم ولها، أولاد الحلال، وأن يبعد، عنهم وعنها، أولاد الحرام ..!"
…لم نكن نتوقع زيارة جدي والخال رمضان، في تلك الأمسية العاصفة التي زادها مجيؤهما أكفهراراً. بل إني تصورت للحظة أن الله لم يستجب للشق الأخير من دعاء والدتي، أنا الذي ما كنت أشك قط باستجابته الدائمة لدعواتها..! جدي والخال رمضان، تربعا في صدر الغرفة، على فرشة لم تكن وثيرة، وبينهما مخدتان، الواحدة فوق الأخرى. كانتا معظم الوقت موضع دفع وجذب بين جدي و ولده، تعبيراً عن الإيثار من قبل الأول، والتوقير من جانب الأخير.