…..آه.. صوت العصا.. والسم يسري في كتفي. الصرخة تختنق في حلقي.. والدمع في عيني.. أقذف بالسل أرضاً.. أعدو صوب البوابة منطلقاً كالسهم.. وصوت أبي عامر يلاحقني طالباً إلي أن أعود، وإلا فهو، وبالطلاق ألفاً (سيحرق الذين خلفوني..!).. و ..(لن يدفع لي مليماً واحداً)..!
- 22 -
…قالت، ونظرة الأشفاق في عينيها ترافق رنة الحزن في صوتها:
…- يغنينا الله عن حمل سلال البرتقال يا ولدي.
…كغريق لامست قدماه رمال الشاطئ بعد أن أيقن من هلاك محقق. الفرحة رقصت في صدري. وددت لو أقفز في الفضاء لفرط سعادتي.. أقبِّل هذه الأم ..؟ ألقي بنفسي في حضنها ..؟ سأعود إلى المدرسة ..؟ وغداً أيضاً ..؟ صحوت على كلماتها وهي تتابع قولها :
…- لقد قضيت نهاري كله في حيرة. لم أكن راضية تماماً عما حصل. كيف أدعك تترك المدرسة كي تشتغل في البيارات ..؟
…ولكي أسري عنها قلت :
…- لكنك فعلت ذلك مكرهة بسبب حاجتنا .
…قالت وهي تلوح بيدها، كأنها تستنكر كل ما جرى، وتقرر في الوقت ذاته حكمة مؤكدة:
…- (ما حدا مات من الجوع يا ولدي. اللي خلقنا ما بينسانا .)
…ولكي تخفف عني أضافت مبتسمة :
…- خير ربنا كتير يا أمين. عندنا قمح من الأرض.. والدجاجات تبيض.. ها أنت تسمعها تنق في باحة الدار.. وأخوك زرع شوية خضرة في الحاكورة.. تنكة زيت.. وتنكة زيتون من الرملة (بعتهم) خالك أبو عون. تين وعنب من الكرم.. و.. الحمد لله يا ولدي .
…شارفت الشمس على المغيب. تلبدت السماء بغيوم كثيفة، رافقتها رياح غربية، سرعان ما تحولت إلى عاصفة مزمجرة، أعقبها تساقط مطر غزير، حتى حسبنا أن سطح القرميد سوف يتكسَّر فوق رؤسنا، وأن الأشجار سوف تنقلع من جذورها. التصقت علياء بي، فيما قال أحمد و هو يغالب النعاس ويفرك عينيه الذابلتين:
…- (هل نتعشى يا أمي ؟)
…- حاضر يمه .
…نهضت تعد لنا الطعام الذي كنا نعرف مكوناته سلفاً. لكنها تعرف دائماً كيف تجد سبيلها لابتكار ما يدخل البهجة إلى قلوبنا. فقالت وهي عند باب الغرفة، وقبل أن تفتحه بحذر شديد، خشية اندفاع الريح العاتية :
…- سوف اصنع لكم (زلابية).. ما رأيكم ؟