…تنفست عميقاً حين تناول الرجل السلَّ عن ظهري، وأفرغه فوق الكومة الكبيرة التي بدت متألقةً، كالذهب في ضوء الشمس. كرَّة أخرى إلى الحقل.. سأعد خطواتي، منذ الآن، في الذهاب و الإياب. أفرحني هذا الاكتشاف المتاخر: واحد.. اثنان.. ثلاثة ..
…آه.. ذلك صوت عصا "أبو عامر". ما بال هذا ال "أبو عامر" يواصل الضرب في كل الأحوال، سواء توانوا في عملهم أم نشطوا فيه؟ لكأنه يستمتع بصوت عصاه تصافح جلودهم ..!
…يقولون - وربما كان ذلك صحيحاً - أنه يتقاضى أجراً على عمله هذا ..!
إنه لم يضربني حتى الآن. أهي مصادفة أم ماذا ..؟ ربما، فهو يسكن قريباً من بيتنا..!.. ولكن.. لو حدث لي هذا - لا قدر الله - أتراني أعدو أمامه مثلهم، تفادياً لضربة أخرى، أم أقذف بالسل أرضاً، فيزداد حنقاً من أجل حبات البرتقال، فيحلف بالطلاق عشراً أن يصرفني على الفور، ويضيع عليَّ عندئذ "شلن" أجر نهاري كله؟ كما يضيع سدى كل ما صنعت حتى الآن، وهذا الذي صنعت هو مفخرة كبرى، سأحدث عنها أمي فور عودتي في المساء.. ولكن متى يأتي المساء ..! فلأحسب: إذا قدر لي أن أعيش حتى أتم أربعة أيام فهي أربع شلنات.. عشرون قرشاً بالتمام والكمال ..! سوف تتمكن والدتي…آنئذ، من شراء كمية من الأرز والسكر، وربما السيرج. لو لم تكن أمي بحاجة إلى هذه المواد لاشتريت حذاء جديداً، مثل ذاك الذي يملكه اسماعيل العطار. وإن لم يكن حذاء فليكن قميصاً، ودفتراً للكتابة، وربما زاد قرش أشتري بتعريفة منه شوكولاته بحليب من دكان عثمان أبو حسين ..
…(مي)..و(هم).. يستمتعون بالدفء الآن فوق المقاعد. كانت أياماً سعيدة تلك التي خلت، حتى الأمس.. كانت مي تؤثرني عليهم جميعاً. تساعدني على "الجبر". أذهب إلى منزلهم دون حرج، في الأيام الأخيرة. نمر تحت الجميزة معاً، فيكف باعة الخضار عن التغني بمحاسن بضاعتهم. يحملقون بنا في دهشة. أحدهم يهز رأسه في استياء.. آخر - من وراء بسطة الباذنجان - يمط شفتيه امتعاضاً:
…(الدنيا آخر زمن..)
بائع آخر : (اللهم احمنا من هذا الجيل.. لم تفقس البيضة عنهم..) (البنت والولد يمشيان معاً..) (ماذا أبقينا لليهود..!؟)
…أتراها تذكرتني فتسأل عني الآن..؟ هذا هو المهم. أتراها عرفت سبب غيابي عن المدرسة ؟