تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…انخرطت في موكب العمال، الذين بدأوا يهزجون ويغنون. لكن أغنياتهم وأهازيجهم كان لها وقع على النفس حزين. كان بينهم مصريون وسوريون ولبنانيون. مضينا جنوباً صوب إحدى البيارات البعيدة، حتى أن الشمس ارتفعت أمتاراً في الأفق قبل أن نصل إليها .

…كم مشواراً تراني قطعت حتى الآن، والسل اللعين على ظهري، مملوءاً وفارغاً، على التوالي، منذ الصباح الباكر. أحسد أولئك الجالسين أمام الكومة الهائلة من البرتقال، يلفون حباته بسرعة عجيبة تخطف البصر، ثم يقذفونها ذات اليمين وذات اليسار، إلى الأمام وإلى الخلف، حسب التصنيف الملائم لها، ثم تلف بذلك الورق الشفاف الملون في منتصفه تحمل اسم (الماركة) و(برتقال يافا). ولا تصرفهم دقة عملهم عن مواصلة أحاديثهم وضحكهم .

…بل ليتني كنت واحداً من أولئك العاملين في ورشة التغليف، حيث الطرق المتواصل الذي يتخذ مع التكرار والرتابة نسقاً من الأصوات سرعان ما تألفها الآذان. قلت في نفسي :

…ما أسعدهم جميعاً.. فهم لا يحملون سلالاً فوق ظهورهم. لا بد أن الشيخ محمد قد سأل عني اليوم.. كذلك الأستاذ أبو مهدي.. الآن حصة الأستاذ شفيق ودرس الأنشاء.. هل سيقرأ عليهم موضوعي كعادته؟ أم أنه لا يستحق القراءة هذه المرة ..؟ سوف يخبرهم نعيم أو أبو سليمان عن سبب غيابي ..سيحرجني ذلك أمام مي.. سوف تتأكد من أننا فقراء.. هل سأصغر في عينيها ..! هل أشكو لأمي، عند المساء، مشقة هذا العمل لأعود غداً إلى المدرسة ..؟

…" الشمس ما برحت هناك.. لا يبدو أنها تنوي مبارحة مكانها ..! أينقضي هذا النهار حقّاً؟

…إلى أن يحدث ذلك ستواصل نقل هذه السلال، ملأى وفارغة، حتى يأتيك الفرج من عند ربك.. أو تسقط إعياء تحت هذه الشجرة.. أو في مجرى الماء هذا ..! قال لي (زميل) عمل في هذه البيارة، في الموسم الماضي. قال عنها بأنها ليست أكبر بيارة في المنطقة. وهم - مع ذلك - يمضون فيها اسابيع عديدة قبل أن يفرغوا منها ". غلام آخر يقترب. يبدو متعباً تماماً. يتحامل على نفسه. يأمل أن يكمل نهاره وإلا ".. أكلوا عليه أجرته". مجموعة أخرى مقبلة. نهرول بالسلال الفارغة، وصوت "العم أبو عامر " يلاحق الجميع، منتهراً، لاعناً الآباء والأمهات ..!

روايات · الصفحة ٤٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٥٦