تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…فكرت أمي في ذلك. ثم تساءلت :".. من هو ذلك الأحمق الذي سيشتري (الهم من صدر صاحبه).. اللهم إلا الحاجة أم سايحة، التي ستستغل ظرفها لشراء الأرض بثمن بخس .." اليهود وحدهم يتقدمون للشراء في هذه الأيام العصيبة. وهم يعرضون أسعاراً مغرية. مما أثار الشكوك حول إجراءات الحكومة الهادفة للوصول إلى هذه النتيجة، والتي لم تكن إلا شركاً ينصب لهم بعناية فائقة .

….. اليهود ..؟ حتى لو فرشها هؤلاء ذهباً. حتى لو متنا جوعاً. وصية المرحوم : ".. الأرض يا عائشة.. الأرض هي العرض.. تموت الحرة ولا تأكل بثدييها ..".

…..".. سوف تمر الأزمة.. وتبقى الأرض رغم أنف اليهود والانكليز.. الله لا يكسبهم ..!"

…لم أنم إلا قليلاً تلك الليلة. وعند الفجر ينساب صوتها خفيض النبرات، كيلا توقظ الآخرين، فيما هي تربت على كتفي بحنانها المعهود:

…- أمين.. قم يا أمين.. اسم الله عليك يمَّه..

…- هاه.. صحوت يا أمي ..

…لا أدري إن كنت يقظاً أم نائماً.. وأنا أدير عيني في أرجاء الغرفة. أحاول مقاومة النعاس. ".. ما أروع الرقاد في هذه الساعة والبرد قارس في الخارج.. تباً لكل شيء. هوذا سعيد يهنأ بنومه.. حتى هذا لا أستطيع البوح به أمامها. ألا يكفيها ما تحمل من هموم ..؟" نهضت متثاقلة هي الأخرى كي تعدَّ لي (زوَّادة) لغدائي ذلك النهار. وكوباً من الشاي، أتناوله قبل ذهابي الآن، عله يبعث الدفء في أوصالي المقرورة، ويعينني على مشقة الطريق. أفقت في مثل هذا الوقت، ذات مرة. يوم ذهبت إلى أرضنا برفقة العم عبد الغني. كدت أطير يومها فرحاً. الأمر مختلف الآن. تطفر الدمعة من عيني. لا أريدها أن تراها. هذا عمل لا أقوى عليه.. لا أرغب فيه.. المدرسة.. مي.. الرفاق ..

…غادرت المنزل أدثر رقبتي بشالٍ من الصوف، صنعته لي ابنة الخالة فاطمة، عرفاناً منها، وتقديراً لخدماتي أيام منفاها. أتأبط (صرَّة) تحوي قطعة جبن ورغيفاً. ظلمة رقيقة تسربل الكون. وغيوم كثيفة تحجب السماء، فتضفي على الجو مزيداً من الوحشة. أبحث عن أثر لنجم، في أرجاء السماء، بغير جدوى..

…

بلغت مكان تجمع العمال، في اللحظة التي شرعوا فيها بالتحرك، وهم يحملون المقاطف والسلال ومواعين الورق. تناولت واحداً من السلال من يد الرجل المشرف على توزيعها. كأنه يعرف، منذ البداية، أنني لا أصلح إلا لحمل السل على ظهري..!

روايات · الصفحة ٤٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٥٥