…وصايا هامة من هذا النوع لم تكن تنقطع أبداً، بل إنها حتى في المرات القليلة التي كنا نزور فيها بيت جدنا حسين، أو دار خالتي نعمه، توصينا بعدم تناول شيء مما قد يقدمونه لنا، بل وإن علينا الادعاء بتناول مثل ذلك الشيء قبل مجيئنا. من ثم تأصلت فينا عادة الرفض والتعفف هذه على المدى .
- 21 -
…عكفت (مي) على مساعدتي في مادة الجبر. أخذت أتردد على منزلهم، مرة أو مرتين في الأسبوع. لم ألبث طويلاً حتى أحببت هذه المادة أكثر من أي شيء آخر. كما أصبحت أتقنها إتقان مي نفسها لها. إلا أنني ما فتئت أتظاهر بحاجتي الماسة لمساعدتها كي أظل على مقربة منها.
…بيد أني لم أكن أدري أن صلتي الوطيدة هذه بابنة المدير - هكذا كنا ندعوها- سوف تثير حفيظة الزملاء نحوي، بل وضغينتهم أيضاً. إذ يرى هؤلاء أنني أقلهم جدارة بصداقتها. لهذا سرهم انقطاعي المفاجئ عن المدرسة، والذي كانت بواعثه ظروف سيئة اضطرتني للعمل في قطاف البرتقال.لم تكن والدتي سعيدة بما حدث. ولكن هل ثمة مندوحة عن مواجهة الواقع حتى لو كان مريراً..؟
…لقد استشرى الغلاء، وازدادت المعاناة، و أوشكت الضائقة أن تخنق الأنفاس، بعد سنيّ الثورة، التي أعقبتها الحرب العالمية مباشرة. ولكي تزيد الوضع سوءاً، عمدت حكومة الانتداب إلى المغالاة في فرض الضرائب على الأراضي الزراعية، حتى بات محصولها لا يفي بالمترتب عليها منها، فضلاً عن ذلك، راحت تستورد كميات ضخمة من الدقيق الكندي والاسترالي، لتطرحها في الأسواق، باسعار زهيدة، تنافس المحصول المحلي، وتؤدي بالتالي إلى كساده. أمسى هذا حديث أهل القرية في سهراتهم، على المصاطب، أمام البيوت، إضافة إلى نتف الأخبار التي تصل إليهم عن الحرب، من مصادر شتى، أولها الراديو ومضافة المختار، وآخرها - لكنه أهمها - الأستاذ شاكر..!
…الحاجة (أم سايحة) نصحت عائشة بأن تحل أزمتها ببيع الحاكورة الملاصقة لجدار منزلها. أبدت هذه استعدادها لشرائها ".. رغم أنها ليست ضرورية جداً لها ..". هكذا قالت الحاجة. أم مريم المغير أرتأت، في أمسية الأمس أن تبيع أمي الأرض إذ ".. ما فائدة الأرض كي تحتفظي بها، في مثل هذه الأيام، وأنت على هذه الحال.."