تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…قبل أن أبلغ المنزل التقيت مريم حيث كنت أراها أكثر الأيام عند أوبتي عصراً من المدرسة، عند المنعطف المفضي إلى دارنا، والذي كان خالياً من المارة لحظتئذ قدمت إليها باقة الزهر. قلبي يخفق متأرجحاً بين الفرح والخشية. زعمت أنني أحضرتها لها بالذات. ضمتها إلى صدرها بفرح. دفنت بين الأزهار وجهها. تلألأ بريق في عينيها. تمتمت بكلمات شاكرة، فيما كنت أتأملها مقارناً بينها وبين (مي). ".. إنها لا تقل عنها جمالاً.. لكن مي.. أناقتها كانت أكثر إبهاراً للعين.. وأشد إثارة للاعجاب.. ترى لماذا يمنعنا الأهل من التحدث معاً في هذه الأيام ..؟ ما الذي استجد ..؟ أعادت إليَّ مريم باقة الزهر، شاكرة، ومعلنة في ذات الوقت، أنها ستمضي قبل أن تقع عين أحدهم أو إحداهن علينا ..! ولما أبديت لها دهشتي. بادرتني بقولها ضاحكة:

…- هل نسيت أني ذاهبة إلى البيت ..؟

…- و ماذا في ذلك يا مريم ..؟

…- لا شيء ..!

…- إذن تأخذينها ..

…- وماذا أقول لهم يا شاطر ..؟

…- ولكن هذه ليست أول مرة .

…- كان زمان.. حين كنا صغاراً..!

…- وهل أصبحنا الآن كباراً ..؟ ومنذ متى؟

…- هم يقولون ذلك.. كبَّرونا رغماً عنا ..!

…لبثت في مكاني، أنظر إليها حتى غيبها المنعطف. دلفت إلى المنزل أحمل هدية (أم مي). اندفعت نحوي علياء. هرول أحمد يطلب، حتى دون أن يلتفت إلى ما في يدي، أن أساعده في مسألة حساب أعياه حلها. هي ثلاثة زائد خمسة..! انصرفا عني حينما شرعت والدتي تفض اللفافة، بعد تردد غير قليل. وقفنا جميعاً من حولها، ننتظر في فضول ولهفة. علياء تتمنى أن تسفر اللفافة عن كمية من الحلوى. أحمد يرغب في أن تكون لعبة، كتلك التي رآها، ذات مرة، مع ابن الحكيم.. أما أنا فقد أردتها دفاتر وأقلاماً .بيد أنها كانت قطع قماش تصلح لملابس الأطفال.. يا لخيبة الأمل ..!

…أطرقت والدتي بعض الوقت. ثم رفعت بصرها إلينا، تتفرس في وجوهنا التأثر بادٍ على محياها. و وميض حزن، نعرفه، يتلألأ في عينيها .…

…ثم قالت وهي مطرقة، تنظر الى (طبلية) العشاء الذي فرغنا من تناوله للتو، ما معناه :

- في مرة قادمة امتنع يا أمين عن قبول أي شيء من الناس وكذلك أنت يا سعيد يجب ألا تقبلوا شيئاً من أحد، يا أولاد، حتى لايشعر أحد بحاجتنا. حينما تكون نفوسنا عفيفة يحترمنا الجميع، الله يرضى عليكم ويسعدكم..!

روايات · الصفحة ٤٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٥٣