…- ألا تكفين عن هذا الجنون ..؟
…أطلقت مي ضحكة ذات رنين، توحي بإدراكها ما في نفس أمها الممتلئة إعجاباً بصباها الباكر، كامتلائها هي زهواً بفتنتها الطاغية. التفتت (مي) إليَّ بغتة وكأنما فطنت لوجودي، لحظتئذ فقط:
…- أنت ..هنا يا أمين ..؟
…يا إلهي.. كيف لا أكون هنا و تسألني ..؟ لكن لابأس. بل إن هذا لعظيم إذ هي لا تجهل اسمي..! تلعثمت قبل أن أقول نعم.. مجرد نعم. قالت بمرح وهي تعيد خصلة شعرها إلى الوراء بتلك الحركة من جيدها :
…- نشكرك يا أمين ..
…- لا شكر على واجب يا آنسة ..
…وكانت كلمة آنسة هذه جديدة علينا، سواء في المدرسة أو في القرية. لم تكن من الكلمات المتداولة. يصفون المتزوجة بالمرأة وغير المتزوجة بالبنت.. وقد يضيفون (البكر). لكنها عادت تسألني:
…- كيف كانت دروس اليوم معك ؟
…- جيدة.. ما عدا الحساب و الجبر .
…- الجبر هو المادة المفضلة لدي ..
…دعوت الله في نفسي قبل أن أجيب (الله لا يجبره هذا الذي اخترع لنا الجبر). ثم قلت :
…- لكنها أبغض المواد إليَّ يا آنسة .
…- إن شئت أساعدك.. وأحل لك بعض المسائل .
…تدخلت السيدة كي تحول دون الاسترسال في حوارنا " الصبياني ". ذلك " الرجس الذي هو من عمل الشيطان ..". لم تجد خيراً من أن تستأنف ما انقطع من أسئلتها المحرجة. شعرت بالضيق، لانقطاع حديثي إلى (مي)، ثم لأني لم أشأ أن أتحدث عن أوضاعنا الخاصة، التي لا تسر، للغرباء. ولعلها أدركت ما فكرت فيه، حين أطرقت رأسي، متحاشياً النظر إليها، وملتزماً الصمت .
…اقتربت مني. ربتت على كتفي، ومسحت شعري بحنو أم. ثم تركتني ومضت صوب الغرفة المقابلة، متهادية في مشيتها. يهتز جسدها الوثير، فيما شعرها الفاحم يتماوج على ظهرها وكتفيها. قلت في نفسي .." هكذا نساء المدينة .." وفي انتظار لا شيء أخذت أتفحص ما حولي من مظاهر الحياة المترفة. ما عتمت والدة (مي) أن عادت، وبيدها لفافة متوسطة الحجم، كلفتني بحملها إلى والدتي. كما أنها أعطتني باقة الأزهار التي جئت بها عما قليل .
…انطلقت مسرعاً، تتناوبني مشاعر شتى متباينة ومبهمة. هي مزيج من السعادة والحزن.. من البهجة والأسى. ماذا ستقول والدتي إذ أدخل البيت بهذه اللفافة، التي لم أعرف بعد ما هي؟ وهي التي عودتنا الامتناع عن قبول شيء من أحد، كائناً من كان. حتى الأهل والأقارب، ناهيك عن الغرباء.. غرباء..؟ أهؤلاء غرباء ..؟