تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…".. المهم يا أولاد، ويا سادة يا كرام، أننا حصلنا على الموافقة، رغماً عن أنوفهم.. حسناً.. لماذا لا نتدبر أمرنا بطريقة أو بأخرى.. لماذا لا يشاطر هؤلاء التلاميذ رفاقهم غرفة الصف الخامس في الوقت الحاضر..؟

…ذلك بعض ما كنا نسمعه من الأستاذ شاكر، سواء في غرفة الصف، أو في حواره مع المعلمين، حين كانوا يتخذون مجلسهم في ساحة الحديقة - مجال حركتنا الحيوي - صبيحة شتاء مشمس، أو ضحى ربيع متألق. لم يزد عددنا على العشرة تلاميذ. بعد أن تخلف أكثر من واحد منهم. ولقد أسعدني أن نعيم واسماعيل ومحمد يوسف النجار كانوا بين الباقين. وهذا الأخير كان الأكثر شغباً ومشاكسة، على الرغم من إصابته بعاهة عطلت يده اليسرى تماماً، مما حدا به إلى إخفائها في جيب بنطاله على الدوام. ولا يذكر أحد أنه رآه يوماً على غير هذه الصورة. وإذا ما سئل عن سر فقدان أصابعه الثلاثة، عزا ذلك إلى انفجار قنبلة كان يعبث بها. ونصدق نحن الرواية، فهو ابن عائلة انخرط معظم أفرادها في صفوف الثورة، وعلى رأسهم عمه الشهير محمد طه .

…عمت الفرحة سائر الرفاق، حين راحت (مي) تشاركنا مقاعد الدرس في صفنا الجديد. مثل زهرة برية تتألق تحت ضوء الشمس. كزنبقة بيضاء يتضوع أريجها، كفراشة ترف أجنحتها الشفيفة خلال أمسية ربيعية. كلما لا حت عن كثب مقبلة مع أبيها، أو منصرفة إلى منزلها، يتماوج شعرها على كتفيها كشلال من حرير. تمنيت أن أتحدث إليها. غير أني تهيبت ذلك .

".. حتى إذا كان لأحد أن يقترب منها، فهو ليس أنا، على أية حال. بل إن محاولتي منافسة الزملاء الأكبر مني سناً، والأفضل ظروفاً، في التودد إليها، ليست إلا ضرباً من السذاجة والجنون ..!"

ثم تحققت الأمنية دونما تدبير سابق، حين طلب إلي الأستاذ شاكر - ربما لأني كنت أول من صادفه في طريقه - أن أوصل إلى منزله سلة مليئة بالخضار والأرز واللحم، إضافة إلى باقة أزهار جمعها " عم زكي" البواب المصري، من الحديقة .

…لم ألبث طويلاً، إثر دخولي المنزل، حتى أخذت (السيدة، والدة مي)، توجه إليَّ أسئلة متعاقبة في شؤون شتى، لم يكن المسؤول عنها بأعلم من السائلة ..! أثار ذلك دهشتي وخوفي معاً. ولم ينجني غير مجيء (مي) قادمة من المدرسة، يسبقها صخبها المثير. دفعت الباب في جلبة. هتفت بالتحية لأمها. طوحت حقيبة كتبها فاستقرت على كنبة قريبة. قالت الأم في أستياء بدا مصطنعاً، إذ كانت، تكتم ابتسامة لاحت على شفتيها :

روايات · الصفحة ٤٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٥١