…عدنا عند العصر. كان يوماً حافلاً. الفلاحون يملاون الطرقات، بدوابهم وعرباتهم المحملة بالسنابل، يتساقط بعض منها هنا وهناك فتفرش الطريق كله. غلمان على جانبي الطريق يفترشون الأرض، ومن أمامهم (بسطات) الحلوى وزجاجات المياه الغازية الملونة، وأكوام من الخيار والبطيخ. تكدست من حولهم أنهار من أغمار القمح، تعبق الجو برائحة التبن والتراب، ورفوف العصافير تحوم مغردة، تعلو وتنخفض، تقترب وتبتعد ... مهرجان زاخر بهيج استغرقني حتى الذهول.
…- 20 -
…خيل إلي أن فرصتي في متابعة دراستي قد ضاعت إلى الأبد. كان ذلك يوم حان موعد العودة إلى المدرسة، قبل أن يتم إنجاز البناء المخصص للصف السادس الجديد. ليس أمامي الآن سوى أن أندب حظي العاثر. لا سيما بعد أن فقدنا - أنا و فوزي - فرصة أخرى سنحت من قبل، سبق أن هيأها لنا الأستاذ شاكر، بمسعاه الحثيث من أجل إلحاقنا بدار الأيتام في القدس، أو بمدرسة "شنللر" المهنية. كان متاحاً لواحدنا، يومئذ، أن يغدو نجاراً، أو حداداً، أو سمكرياً مرموقاً. حقاً هي حرف لا تحظى لدى أهل القرية، بذات القدر من الاحترام الذي تتمتع به مهن أخرى، يرتدي أربابها طربوشاً وقميصاً ذا ياقة بيضاء منشاة، يتوسطها رباط عنق - لا سيما إذا كاناً منقطاً - إلا أنها - على أية حال - خير مما كان ينتظرنا من حرث في الحقل، أو سقي في بيارات البرتقال .
…مصيرنا يتارجح إذن، في مهب الرياح. بيد أن الأستاذ شاكر يمكن أن يحدد لهذا المصير مساره، إذ يقرر مواجهة التحدي، فيصمم على ألا يدع العوائق الطارئة تحول دون تحقيق طموحاته في صنع الجيل الأفضل الذي ينشد، من أجل البلاد والعباد ..! فلطالما اعتقد أنه مبعوث العناية الألهية لإصلاح ما فسد على ظهر هذا الكوكب - كما يقول الشيخ محمد أبو العينين - وذلك عن طريق العمل الدؤوب، وليس مجرد الاكتفاء بالقاء الموعظة، حسنة كانت أو غير ذلك..!
…وما دامت السلطات المختصة قد وافقت، من حيث المبدأ، على إنشاء الصفين المرجوين فهذا وحده انتصار عظيم .".. ولئن امتنعت تلك السلطات عن تقديم المعونة في الوقت المناسب، إمعاناً منها في تهيئة الظروف الملائمة لسيادة الجهل والتخلف، فما ذلك إلا لكونها سلطة معادية، وليس أدل على هذا من أنها تغدق بسخاء على اولئك الدخلاء، ومن أموال الخزينة العامة التي نسهم نحن بالقسط الأوفر منها، راضين عن ذلك او كارهين له، قادرين عليه أو عاجزين عنه" ..