…جلسنا تحت شجرة التوت هذه نترقب، إلى أن جاء اللبناني في سيارة سوداء، توقفت إلى جانب الطريق الترابي. نزل هو منها، وبقى فيها شخص آخر. تبين فيما بعد أنه يهودي.. عميل آخر للشركة. مسح المكان بنظرة مريبة شملت كل الآفاق المحيطة به. اطمأن حين رأى حسن العبسي في الانتظار. اقترب منه هذا. راح يتحدث إليه بعض الوقت. ثم أخرج اللبناني من حقيبة كان يتأبطها أوراقاً قدمها للعبسي. خرجنا للتو من مكمئنا، لننقض عليه و نستولي على الأوراق. اضطرب الرجل.. امتقع لونه.. ارتعشت أوصاله.. حاول مستميتاً الدفاع عن نفسه بكل الحجج الممكنة. تذرع بأنه لم يكن سوى ضحية جهله وغبائه، فضلاً عن عدم درايته بمثل هذه الشؤون ..! وإذ واجهه أحدنا بماضيه الحافل، متبعاً ذلك باشهار مسدسه، معلناً الحكم باعدامه باسم الثورة الفلسطينية، انهار الرجل دفعة واحدة. وطفق يسترحم ويستغفر، دون جدوى، فلقد فات أوان التوبة والاستغفار ..!
…صمت العم عبد الغني قليلاً، ثم أردف في أسى:
….. آه يا بني لو عرف هؤلاء الخونة فداحة جريمتهم في حق شعبهم، بل وفي حق أنفسهم وأسرهم وأبنائهم من بعدهم، لأجيال قادمة بلا عدد. وهم في نهاية المطاف يخسرون كل شيء.. دنيا وآخرة يا بني ..!
…أصبحنا على مشارف الأرض. ساد الصمت زمناً إلى أن بلغناها. ترجل العم فيما كنت أقفز عن ظهر حماره. السنابل تلامس صدري، ووجهي أحياناً. أدرت بصري فيما حولي. بساط ذهبي بديع. سطحه غلاله شفيفة تكونت من أطراف السنابل المدببة. يتهادى بأناة مع ريح الصبا.. والطيور تحوم، ثم تهوي تلتقط الحب، ثم تنطلق محلقة في الفضاء الرحب تزقزق راضية مطمئنة. الشمس ساطعة تغمر الكون. المحطة القريبة تطل بمبانيها الحجرية البيضاء من خلال فرجات بين أشجار الكينا العالية. نباتات متسلقة على جدرانها تحفل بأزهار بنفسجية وأوراق خضراء يانعة. سحابة دخان تبدو من بعيد، لا تلبث أن تنكشف عن عربات قطار قادم من الشمال، مرسلاً صفيراً مثيراً طالما استأنسنا به، كلما تصادف وجودنا قريباً من خط سيره شرقي القرية. عن بعد تراءت لنا مباني يبنا تشرف من عليائها وديعة مهيبة. شعرت بحنين غامض إليها، رغم أني لم أبرحها إلا منذ قليل .
أعداد من الفلاحين، في مواقع متعددة، يحصدون القمح بمناجلهم اللامعة في ضوء الشمس الباهر، فيما راحت أصواتهم والأصداء تتجاوب في أرجاء السهل، يحث بعضهم بعضاً على العمل، او يرددون المواويل .