تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…وجد ضالته أخيراً في قطعة صغيرة بمنطقة "أم الذهب"، تلك التي عن يميننا الآن. تمكن من إقناع أحد الفلاحين، بثمن مغرٍ، لم يكن مالوفاً آنذاك. لكن هذا المالك (حسن العبسي) فوجئ، يوم التوقيع على عقد البيع، بأن الرجل يحمل توكيلاً عن يهودي من مستعمرة (ريشون ليتزيون) عيون قارة، وأن هذا الأخير ليس إلا وسيطاً (للكرن كايمت)، المتخصصة في شراء الأراضي من الحكومة المنتدبة، وبعض من تستطيع التغرير بهم، لصالح الوكالة اليهودية. لم يشأ حسن العبسي أن يثير ضجة، أو أن يلفت انتباه الرجل إلى شكوكه حوله، رغم استغباء هذا الأخير له، لتصوره أنه مجرد "فلاح أبله" سوف "يبصم" على العقد دون أن يعرف مضمونه ..! أبلغ العبسي القصة لقائد الفصيل في المنطقة، الذي تحرى الواقعة، فوجد أن الرجل لبناني، سبق له أن أسهم في عمليات البيع لمساحات من الأراضي اللبنانية، الواقعة في شمال فلسطين، وسهل مرج ابن عامر، لا سيما عائلات سرسق وسلام والخوري الإقطاعية المعروفة، هي ليست معروفة بالنسبة لك، ولكن من هم أكبر منك سناً يعرفونها جيداً.

…صمت العم عبد الغني وكأنه مضى بعيداً في استحضار الذكرى. لا يسمع سوى وقع الحوافر تنغرس في التربة الهشة، وحفيف السنابل المتماوجة. ثم ما لبث، بعد لأي أن قال :

….. كنت أحد ثلاثة وقع عليهم الاختيار للقيام بالمهمة.

…قاطعته في توجس من يستفظع صورة القتل التي عبرت ذهني للحظات مرعبة :

…- ألم تكن هناك طريقة أخرى تحول دون إتمام الصفقة، بدلاً من قتله ..؟ كالامتناع عن البيع مثلاً.. كطرده من المنطقة.. وكفى..!

…رد بحدة ظاهرة :

…- لا يا أمين. ليست القضية هي بيع هذه القطعة تحديداً. كما أن ذلك لن يمنعه من التوجه إلى أماكن أخرى لتنفيذ المشروع الذي كان وراء العملية. كانوا ينوون إقامة مستعمرة يهودية هنا.. في هذا المكان. تصور لو حدث ذلك، يا ولدي، أي كارثة كانت ستحيق بقريتنا؟ اليهود يقيمون هنا، بجوار بيوتنا وعلى مرأى منا. أرضكم هذه كانت ستؤول إليهم أيضاً..

…كان علينا استدراجه عن طريق العبسي، الذي أبلغه استعداده للتوقيع على العقد بغير إبطاء. مقترحاً أن يتم ذلك في موقع الأرض ذاتها، بعيداً عن الأنظار وضماناً للسرية المطلقة .

روايات · الصفحة ٤٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٤٨