…- أعرف، أعرف. ولقد حملتك رضيعاً بين يدي هاتين .وباركت لأبويك يوم مولدك. ولكني أقصد أن من هم في سنك لا يستطيعون إدراك معنى الأحداث الجارية على حقيقتها. أنت لا تعرف مثلاً أن الانكليز لا يصدقون في وعد أبداً. وهم لن يمنحونا استقلالنا بعد الحرب أيضاً.
…
- ماذا سيحدث عندئذ ..؟
…- سوف تقوم القيامة هنا. اليهود من ناحيتهم، سوف يطالبون بتنفيذ ما وعدهم به بلفورهم.. وطن قومي. هجرة بغير قيود و لا حدود.. امتلاك الأراضي بلا حدود أيضاً. إلى آخر ما هنالك من أطماعهم. ونحن، من ناحيتنا، سوف نعارض ذلك. بل ونطالب بما هو عكسه تماماً: الاستقلال ... الحرية في إقامة دولة لنا ... الوحدة العربية.. أما الانكليز، فعليهم لعنة الله الأبدية، فما من أحد يعرف ماذا يريدون، وما هي حقيقة نواياهم .
…بغتة أوقف العم عبد الغني حماره. كنا قد بلغنا شجرة توت ضخمة، بسطت ظلالها على رقعة واسعة من الأرض. خيم صمت مشحون بالتوتر. سرح بصره بعيداً. أجال بصره في الأفق العريض من حولنا قبل أن يرسل ضحكة مجلجلة، أجفلت منها، إذ صدرت عنه بغتة ولم تكن لها مناسبة واضحة. لم أجرؤ على سؤاله عما أضحكه. لزمت الصمت إلى أن التقط أنفاسه. ثم توكلت على الله، وقررت المغامرة بسؤاله:
…- خير يا عم؟
…- تريد أن تسالني عماأضحكني يا أمين أليس كذلك؟
…- ليس هذا تماماً يا عم.. ولكن ..
…- اسمع هذه الحكاية يا بني : هنا، في هذه البقعة قتل أحدهم ..!
…- قتل أحدهم ؟
…-.. وكنت شاهداً على ذلك.. كان خائناً استحق القتل. أذكر ذلك كما لو أنه يحدث الآن..
…- حقاً. ولو لا أنه كان كذلك لما قتلوه ..! لا بد أنه تعاون مع الانكليز .
…لم يعلق على ملاحظتي. أطرق قليلاً، ثم شرع يروي الحكاية بصوت منخفض. ونبرات هادئة، كأنما يحدث نفسه:
…... جاء الرجل يوماً إلى القرية. أخذ يتصل بوجهائها وملاكي الأراضي و البيارات فيها، ويقيم معهم علاقات صداقة وطيدة. بدت طبيعيه أول الأمر، لكنها ما لبثت أن تكشفت عن أغراض خفية كان يرمي إليها. زعم أنه أحب قريتنا الهادئة الوادعة. ادعى أنها المكان الذي قضى نصف عمره في البحث عنه، إلى أن منَّ الله عليه فهداه إليه أخيراً. من ثم فهو يود الإقامة فيها ما تبقى له من عمر في هذه الحياة الفانية ..! وما عليه الآن سوى أن يجد ذلك الإنسان الذي يوافق على بيعه قطعة أرض يقيم عليها منزلاً صغيراً، تكتنفه بيارة برتقال متواضعة.