تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…هكذا تناقلت الروايات سيرته. حاول أهل القرية اغتياله في أكثر من مناسبة، دون أن يفلحوا، مما أضفى على غريمهم هذا هالة أسطورية من الرهبة. لكن محاولاتهم ما كانت لتذهب بغير عقاب يوقعه بهم، تمثل في صور عديدة مختلفة. منها العقوبات الجماعية، يفرضها عليهم، اعتباطاً ومن تلقاء نفسه .وكأنه دولة قائمة بذاتها، لا يُسأل عما يفعل. ومنها اللجوء إلى قتل مجموعات من الناس كيفما اتفق، ربما صادفها في طريقه، أو عمد إلى جمعها من المزارعين، أو من بين روَّاد المقاهي وأصحاب الحوانيت، أو المارة. أما أهون تلك العقوبات فقد كان حجز أعداد غفيرة من أهل القرية في ساحتها العامة، لساعات طويلة تحت أشعة الشمس اللاهبة، أو المطر المنهمر، تبعاً للفصل الراهن حينئذ بل هم مازالوا يذكرون في قهر وأسى كيف ألقى هذا الانكليزي - اليهودي فجر ذات يوم بخليل السلال وولده ابراهيم من فوق الجسر الى لجة الوادي، ليلقيا حتفهما دون أن تشفع لهما توسلاتهما وضراعتهما شيئاً. عنَّ لي سؤال أقطع به الصمت المهيب فقلت :

…- ولكن لماذا لم تطلبوا نقله أو تقدموا الشكاوى عن أفعاله للحكومة ؟

…قهقه عم عبده قبل أن يقول، وفي صوته نبرة تهكم :

…- لقد فعلنا ذلك تماماً يا بني ..وتلك كانت خطيئتنا الكبرى..!

…- لم افهم شيئاً يا عم ..

…- هذا مافعلناه، ولكن ذلك كان لصالحه دون أن ندري. فما دام هذا يلحق الأذى بنا إلى درجة تدفعنا للعمل على إبعاده، فمعنى ذلك أنه يقوم بواجبه على أفضل وجه حسب سياستهم. ومن ثم فنحن لم نجن من محاولاتنا وشكاوانا سوى إيغار صدره علينا أكثر فأكثر، والإمعان، من ثم، في الانتقام منا.

…- ألا يكون يهودياً ذلك الضابط يا عم عبد الغني؟

…- هو يهودي يا بني .

…- من حسن حظنا إذن أن الثورة انتهت وأنه نقل من هذا المكان إلى غير رجعة إن شاء الله .

…- الثورة لم تنته يا أمين. ولسوف تعود في الوقت المناسب .

…- ولكن الانجليز سوف يخرجون من بلادنا عند ما تنتهي الحرب. كما يقولون .

…- من قال لك ذلك..؟

…- سمعته من الراديو في مقهى العم أبو داود .

…- وهل تصدق كل ما تسمعه من الراديو؟ اسمع يا أمين أنت ما زلت صغيراً يا بني ..

…- أنا لست صغيراً يا عم. عمري الآن 11 او 12 سنة لا أعرف تماماً .

…ضحك الرجل وقال :

روايات · الصفحة ٤٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٤٦