تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…كان بادي العطف نحوي، ربما لأنه لم يرزق بولد، على الرغم من زواجه مرتين، ومنذ ما ينوف عل ربع قرن من الزمان. حركة مفاجئة صدرت عن الحمار، أخلَّت بتوازني فكدت أسقط لولا أنني بادرت للتشبث، بحركة لا إرادية، بخاصرتَيْ العم عبد الغني، والالتصاق بظهره. أدركت بعد لحظة، أن الحمار تنكب الطريق المعبَّد إلى الأرض الزراعية. تساءلت:

…- هل بقي علينا كثير حتى نصل أرضنا يا عم ..؟

…- ليس كثيراً، انظر إلى تلك الأشجار العالية، هناك تقع المحطة، والأرض بالقرب منها تماماً .

…- ولكن لماذا لم نواصل سيرنا على الطريق العام المعبد إذاً؟

…صمت الرجل قليلاً قبل أن يجيب:

…- بحكم العادة يا بني .

…- اية عادة يا عم. أتذكَّر أننا مررنا قبلاً من ذلك الطريق، فلماذا لم نتعوده؟

…- ألم تسمع بضابط المحطة؟

…- بلى. كيف لم أسمع به؟ ولكنه لم يعد هناك منذ زمن بعيد، كما يقولون .

…- هذا صحيح. ولكننا أصبحنا بحكم العادة - كما قلت لك - نتحاشى المرور بطريق المحطة. حتى حماري هذا تعود هذا الطريق، وبات يتجه إليه من تلقاء نفسه. وهو الذي قادنا إلى حيث نحن الآن ..!

…- هو حمار ذكي إذن يا عم ..!

…ضحك العم.

…حسبته يضحك مما قلت، فأردفت مؤكداً :

…- حقاً هو كذلك، فهو يعرف ما يريد - رغم أنه حمار - بل ما تريده أنت حتى دون أن تقول له ذلك ..!

…- يبدو أن الأمر هكذا يا بني .

…ثم أتبع …كمن يحدث نفسه (رغم أن كثيراً من البشر لا يعرفون ما يريدون..!)

…بعد أن عاد الصمت وحوافر الحمار تدب على الأرض المزروعة، تذكرت الروايات العديدة التي كنا نسمعها عن الضابط البريطاني، الكولونيل وينجت، الذي كان مجرد ذكر اسمه يثير الفزع. لقد دأب هذاعلى التفنن في أساليب اقترافه لجرائمه، لكأنه يقوم بعمل يحبه ويتعشقه. وتتراوح جرائمه ما بين الاعتداء على الناس، بالضرب والشتيمة، وسرقة ما يلقاه في حوزتهم، وبين القتل العمد رمياً بالرصاص أو طعناً بالحراب. كان ساديّاً يجد لذته في تعذيب ضحاياه حتى الموت. وليس شرطاً أن يكون هؤلاء ثواراً، أو حتى مجرد رجال راشدين. بل كثيراً ما عمد إلى قتل غلمان، أو مزارعين يلقاهم في الطرقات، أو في أي مكان بين البيارات والحقول او على رمال الشاطئ.

روايات · الصفحة ٤٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٤٥