…أقبلت الجياد، وبدأ السباق، فتصاعد الغبار، وعلت الأصوات والصيحات، وصهيل الخيل المزينة بسروج مزركشة، وأوراق ملونة. وعند نهاية كل شوط تنطلق صيحات الجمهور، معبرة عن إعجابها بالفائز، وسخطها على الخاسر. أفراد فرقة (حسب الله)يقرعون الطبول وينفخون في الأبواق، فيزداد حماس أنصار الفريقين، ونتراهن نحن الصغار على حبات من الفستق، او الدحل، بينما يراهن الكبار لقاء مشروب شاي أوقهوة عند أبي داوود.
…مالت الشمس نحو المغيب، وحان موعد زفة العريس الذي بدا نحيلاً للغاية في (قمباز الروزه) الحريري، مكفهر الوجه لسبب لا أدريه. تحيط به جمهرة من الشبان، تردد بحماس أهازيج (السحجة) يرافقها ضرب منتظم بالأكف وقرع الطبول. يطوفون به في شوارع القرية الرئيسية، وهو يمشي الهوينا، وسط سحابة من الغبار توشك أن تكتم الأنفاس. العرق ينضح من الوجوه المحتقنة، وقد بدا عليها منتهى الجد. أجهزة الراديو والحاكي مفتوحة على آخرها في المقاهي المجاورة. تختلط الأغاني الصادرة عنها بتلاوة الأخبار عن الحرب.. بضجيج الزفة.. بالزغاريد.. بدويِّ سيارات الجيش البريطاني العابرة، محملة بالجنود الذين يدهشهم المشهد، فيهتفون ويصيحون بأعلى أصواتهم، وغالباً ما يكيلون الشتائم..!
…تميزت الأمسية الأخيرة، بمفاجأة مثيرة. فلم تكد الموسيقى تبدأ وصلتها، والناس ما برحوا يتوافدون تباعاً، حتى شرع بعضهم يطلق الرصاص ابتهاجاً واحتفاء بالمناسبة الميمونة. تقدم(أبو ممدوح) عم العريس يطلب إليهم الكف عن ذلك، لا سيما وأن الانكليز، - وإن هم تغاضوا عن ملاحقة حملة السلاح في الآونة الأخيرة - إلا أنه لا يؤمن جانبهم، فالانكليز هم الانكليز، وقد يقلبون المناسبة السعيدة إلى نكد لا حد له، إذا هم شاؤوا ذلك. وها هي ذي سياراتهم غادية رائحة تشهد ما يجري. لم يستجب أحد لرجاء أبي ممدوح. بل إنهم ازدادوا حماساً بلغ حد التهور، تعبيراً عن تحديهم للانكليز أنفسهم من ناحية، وإصراراً على أن تبلغ أفراحهم مداها، من ناحية أخرى. من ثم فقد راحوا يطلقون الرصاص بغير حساب.