…انطلقت، عندئذ، من الكبار خاصة، الآهات والصيحات من كافة جنبات السرادق، مما أثار فزعنا واستهجاننا بادئ الأمر، إلا أننا ما لبثنا أن ألفناها، ثم سرت إلينا العدوى، فأخذنا نصفق مع المصفقين، ونهز رؤوسنا استحساناً أو تقليداً لما يفعلون ..! الزغاريد من الداخل تشق الفضاء. أغاني دلعونا.. وعتابا.. و(آمنت بالله..نور جمالك آية آيه من الله نور جمالك نور عجيب.. يطفي في القلب اللهيب ...)
…عندئذ ترتفع أصوات الحاضرين : الله.. الله ... ياست لوردكاش. عقدت حلقة الدبكة. الشباب يضربون الأرض بأقدامهم.. يلوحون بمناديلهم. انتظم آخرون في صفين متقابلين، وشرعوا يرددون اغاني "السامر".
…شعرت بالزهو أمام رفاقي، فالعروس ابنة خالتي. أنا إذاً من أصحاب الشأن في هذا العرس الخارق للعادة ..! حتى أن نعيم وسليمان واسماعيل كانوا يلجؤن إلي كلما أراد أحدهم كوباً إضافياً من الشاي.. بل إن سليمان جرب أن يختلس سيجارة عن طريقي وبمعرفتي كي يجرب التدخين ..!
…الليل يمضي، والسمار يواصلون سهرهم، بغير تعب حتى الهزيع الأخير من الليل. ثم ينفض السامر ويتفرقون. بعضهم ينتظر خروج "الحريم" من الأهل. تضج شوارع القرية وأزقتها بالحركة بعض الوقت، ريثما يأوي الناس إلى بيوتهم، فيما يرتفع صياح الديكة، وخيوط الفجر الاولى تتسلل عند الأفق الشرقي، ونجمة الصباح المتلألئة ترمق الأرض، ومن عليها، من عليائها في كبد السماء. يسود الكون السكون، وتعم السكينة انتظاراً ليوم جديد.
…حان موعد الزفاف. تجمع أهل القرية أصيل ذلك النهار على جانبي ساحة "أبي هريرة" ،حيث يجري سباق للخيل. باعة الحلوى والمثلجات - الواردة من يافا - ينادون على بضاعتهم. ابتعت قرطاساً من الفستق المغموس بالسكر، ضارباً عرض الحائط ببكاء (أحمد) الذي كان يفضل حبة (اسكيمو)، نشتريها من القرش الوحيد الذي كان في حوزتنا. لقد أضجرني وجوده معي منذ كلفتني والدتي برعايته وحراسته، فيما ذهبت هي إلى دار شقيقتها للأسهام في إعداد العروس.