…تكاثر الناس، وعلا الصخب، وانتقلت للجميع عدوى هذه العربدة، بما في ذلك النساء اللواتي تعالت أصواتهن بالزغاريد والغناء وضرب الصاجات والطبول، فيما ترقص واحدة منهن أو أكثر، على إيقاعها. بغتة انطلق صوت حاد طغى على كل الأصوات. للتو توقف الجميع، وساد سكون مخيف. ثم لم تلبث أن قامت جلبة على مبعدة أمتار قليلة غربي السرادق، تنم عن فزع مباغت.. ثم صيحات:
…إسعاف.. إسعاف يا ناس ..لقد أصيب.. مات.. لا لا.. لم يمت.. من هو..؟
…حاولت الاقتراب، وأنا أجرُّ أحمد من يده، ولكن بغير جدوى، فقد حالت الأجساد المتراصة دوني. حملوا شخصاً إلى السيارة الصغيرة الوحيدة في القرية، والتي يملكها (رشيد الجمل) عمٌّ آخر للعريس. انطلقت السيارة مسرعة، مخِّلفة وراءها رائحة بنزين وسحابة من الدخان، مخترقة الزحام، في طريقها إلى الشمال.. يافا.. الرملة.. الله أعلم ..! و ما هي إلا لحظات حتى بلغ النبأ مسامع النساء في داخل الدار. (علي الرملاوي) اصيب برصاصة طائشة في خاصرته.. ربما تكون مميتة.
…سرعان ما انقلب (الفرح) إلى مأتم، والزغاريد إلى عويل. انتشرت على الفور تعليقات وتخرصات شتى. وفي غضون دقائق قليلة رويت عشرات القصص المختلفة عن الحادث نفسه ..!
…مضيت بأحمد إلى المنزل. لم تكن والدتي قد عادت بعد. أما سعيد فلا أدري أين هو في هذه الساعة. لم أره في العرس ايضاً. بتُّ متلهفاً لحضورهما كي أروي لهما ما حدث في عرس دار الجمل، لم يسعنا إلا أن ننتظر وحيدين في جو تكتنفه الرهبة.
…ها هي ذي تجيء أخيراً تسحب علياء بيدها. وقد علا الشحوب وجهها. إذن لقد عرفت ما حدث. وقبل أن أتفوه بكلمة أخذت تردد، فيما هي تروح وتجيء، تحمل وعاء أو ترفع وسادة، أو كوباً فارغاً :
…(.. يا بختك الأسود يا فاطمة.. حسدوكِ يا حبة عيني ..!)
…تأجل إتمام الزفاف ريثما ينجلي الموقف، وتتحدد حالة المصاب، فضلاً عن نتيجة التحقيق - هذا ما عرفناه في اليوم التالي -. ذلك أن علي الرملاوي هو أحد أقرباء العريس، وصديقه الأثير. أجل لابد من الانتظار.
- 19 -
…أقبل الصيف، وجاء موسم الحصاد.
…قطعة الأرض التي نملكها زرعت قمحاً هذا العام. أتى المزارع (عم عبد الغني) لكي يبلغ والدتي عزمه على حصاد الزرع الذي أينع، مبشراً بموسم خصيب. ولسوف يبدأ ذلك منذ الغد .