تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…الساحة تغص بالصبية والأطفال. الأنوار الساطعة تغمر المكان، حتى كاد أن يتحول إلى نهار. مُدَّت الحصر والبسط المزركشة تحت سرادق عُلِّقت على جوانبه سجاجيد فاخرة. وتدلت من سقفه مصابيح باهرة الضوء. فرقة الموسيقى لم تحضر بعد. ونحن نتحرق شوقاً لمشاهدتها، ناهيك عن سماعها. أذَّن العشاء، وما عتم الكبار أن شرعوا يتوافدون فرادى وجماعات. والصبايا أخذن يتسللن خلال طريق جانبي إلى داخل الدار، في خفر وارتباك، يحملن على رؤوسهن الهدايا، وقد ارتدين الثياب المطرزة بالحرير متعدد الألوان. عدد من الشبان ينثرون السجائر أمام الجلوس، ويطوفون بأكواب الشاي الفواحة بعطر الزنجبيل، يملؤونها من أوانٍ ضخمة نصبت فوق مواقد الحطب، التي انبعث دخانها مشكِّلاً سحابة خانقة. بغتة خفتت الأصوات، وكفت الضوضاء. أفراد التخت الموسيقي يدلفون إلى داخل السرادق. هبَّ الحضور وقوفاً، إجلالاً وتكريماً، مفسحين لهم في صدر المكان. انهالت عليهم التحايا بالقول والأشارة، من كل جانب. وضعت أمامهم منضدة كبيرة حفلت بباقات الزهور، وأكواب ماء الزهر والسكر الفضي، التي تمنيت لو نلت واحدة منها ..! فضلاً عن علب السجائر من مختلف الأنواع: مبروك، تتلي سرت، ماتوسيان، نجاح.. !

…لم يلبثوا إلا قليلاً قبل أن يبدأ العزف، بعد أن مهدوا لذلك بغير قليل من الحركات غير المفهومة - لنا على الأقل - كل يضرب على آلته او يداعبها، مصيخاً سمعه إلى أوتارها، أو الصوت المنبعث منها. مشفعاً ذلك بنحنحة او همهمة. طبعاً نحن لا نعرف لهذه الحركات سبباً او مبرراً، لكن ذلك لم يمنعنا من الإحساس بفرح غامر. لكم شكرنا - بيننا وبين أنفسنا - آل الجمل على صنيعهم غير المسبوق هذا. حتى لقد اوشك الرفاق أن يقوموا بتظاهرة للهتاف بحياتهم ..!

…بعد لأي توقف العازفون، فيما استمر وحده عازف العود يضرب بريشته، ويهز رأسه، ثم انطلق يشدو بمواويل وليالٍ ،لم تثر كثيراً من إعجابنا، لاسيما حين كانت تبدو عليه علامات تشنج واضحة ومخيفة، إذ تنتفخ رقبته حتى نحسبها تكاد تنفجر. و تجحظ عيناه كلما ارتفعت طبقة صوته. وعندما أطلق لحنجرته العنان مردداً :

في البحر لم فتكم في البر فتوني ..! بالتبر لم بعتكم بالتبن بعتوني..!

روايات · الصفحة ٤٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٤٠