…أمسك الرجل عن الضحك، فقد ذكَّرته كلماتها بصابر، ابنهما الذي تطوع مع الجيش البريطاني. بدت على وجهه مسحة من ألم وحزن دفين، يشبه خيبة الأمل. تنبهت أم صابر إلى ذلك سريعاً، فأرادت أن تقول شيئاً تصلح به خطأها غير المقصود، فإذا بها تزيد الطين بلة، كما تبين على الفور، حين قالت :
…- غداً ينتصر الانكليز ويعود صابر بالسلامة ..
…انفجر أبو صابر صائحاً:
…- إذا كان شرط عودته انتصار الانكليز فلا أعاده الله ..
…- استغفر ربك يا (أبو صابر)..!
…- هذه على كل حال نتيجة تربيتك..!
…- سامحه يا حاج في غربته. رضا الوالدين، وانت سيد العارفين..
…- اسامحه ..؟ كأنك لا تعرفين أي عار جلب علينا في البلد. لم تعد لي عين أواجه بها الناس يا امرأة ..! صحيح (الولد الخايب بيجيب لأهله البهدلة..)
…- سلامة مقامك يا (أبو صابر) انت سيد الكل. تاريخك ناصع ومعروف للجميع. وسمعتك بين الناس مثل (اليفت) الأبيض..!
…- هذا بالذات هو ما يطير صوابي. أنا.. أبو صابر الذي أنفق عمره في الثورات، على الانكليز واليهود، يذهب ولده ليتطوع مع الانكليز، اولاد الكلب، ليحارب الألمان جنباً إلى جنب مع المتطوعين اليهود.. نعم مع الفيلق اليهودي.. عارفه شو يعني الفيلق اليهودي؟
…- لعب بعقله ابن الحملاوي.. الله يجازيه..!
…لم تجرؤ أم صابر على متابعة الجدل. كنا جميعاً - لا سيما البنات - نرقب المشهد متوجسين، نخشى أن تندلع الحرب بين الزوجين. أطرقت المرأة رأسها مستسلمة. وتشاغلت بصب الشاي في الفناجين الخزفية. مد الفراش، وأطفئ المصباح (اللوكس) ليحل مكانه سراج واهن الضوء يوشك أن ينطفىء كلما تسربت هبة ريح. أقفلت الأبواب، فأرسلت صريراً حاداً، والمطر ما برح في الخارج ينهمر مدراراً .
…مضينا إلى النوم تكتنفنا، أنغام موسيقى رائعة، تعزفها أنامل الطبيعة المبدعة، محلقة بنا بعيداً مع أحلام لا حصر لها .
…- 18 -