تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…(أبو صابر) يجلس متربعاً على مرتبة تتصدر القاعة. ينفث دخاناً كثيفاً من غليون عتيق، ذي قصبة طويلة. لا يفتأ يضغط محتوياته من التبغ بأنامله الصفراء، فيما هو يبدي رأياً، أو يصدر أمراً لواحدة أو أخرى من بناته. مهيب الطلعة. شعره مزيج من الأسود والرمادي. فوق كتفيه عباءة صنعت من وبر الجمال. لا يتكلم إلا بمقدار، كأنه لا يرى في الحاضرين من يستحق التحدث إليه إلا إذا اقتضت الضرورة الملحة .

…السقف عالٍ أقيم على جسور ضخمة من الخشب. الجدران مطلية بالكلس الأبيض. فتحة كبيرة بدت في منتصف الحائط المواجه للباب، تحوي ألحفة وفرشاً ذات ألوان بهيجة. وعلى الجدار المجاور رفوف خشبية، وضعت عليها جرار من الفخار، مليئة بالزيت والزيتون، واللحم المفروم، والسمن، إلى جانب علب معدنية للسكر والملح والبن والبهارات. تعبق الغرفة بمزيج من رائحة غير محددة المعالم.

…العتمة شديدة في الخارج. هزيم الرعد، وعصف الرياح يتناهى إلينا، كأنما هي نذر السماء للبشر العاجزين عن صنع شيء حيالها. جلست فاطمة بجواري تسأل عن أمها وعن أحوال الأهل هناك. أضاءت صغرى البنات مصباحاً. انتشر الضوء يرافقه فحيح موحش. قام الرجل إلى الصلاة بعد أن أمر بإعداد العشاء. انطلق صوته الرخيم يرتل الآيات بصوت خاشع. داخلني شيء من الحزن. والدتي يعتريها القلق الآن. وهي لا تدري أني أحظى بكل هذه الرعاية في أمان وسلام، في كنف الحاج أبي صالح وأسرته. لا شك أنها تضرب الآن أخماساً في أسداس، لا سيما إذا كان (سعيد) قد تأخر عنها كعادته. ترمق أحمد وعلياء القابعين إلى جوارها بنظرات قلقة، يملؤها الشعور بالقنوط والغيظ والحزن معاً.. سأروي لها غداً ما حدث.

…تحلَّقنا حول (الطبلية) وقد حفلت الغرفة برائحة زيت محترق، وباذنجان مقلي، وبطاطا وبصل، وخبز الطأبون الطازج. خيم الصمت أثناء تناول الطعام. زخات المطر ترشق النافذة. أصوات حفيف الأشجار يعلو وينخفض، تبعاً لقوة الريح المندفعة عبر أغصانها وأوراقها. حبات برد تقذف الزجاج بعنف. قفزت وفوزي، بغير تدبر إلى الباب فرحين، نحاول التقاط حبات البرد، لكنها سرعان ما تذوب في أيدينا .

…قهقه أبو صابر بصوت مجلجل. ضحكت أم صابر ربما مسايرة له - وهي تقول بلهجة من اكتشف قارة جديدة :(الولد ولد لو نصَّبوه قاضي بلد)..!

روايات · الصفحة ٤٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٣٧