تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…انطلقنا معاً عصر ذلك اليوم. حملت سلة تحوي أطعمة مختلفة ملوخية جافة وبامية وبرغل، فيما حمل فوزي على ظهره كيساً للملابس. كان الجو صحواً، بادئ الأمر. السماء زرقاء كصفحة، بحيرة هادئة، والشمس ساطعة تغمر أشعتها أرجاء السهول والبيارات المترامية الأطراف حتى الأفق. بغتة ومن غير مقدمات اكفهر الجو، وتلبدت السماء بالغيوم. اختفت الشمس، وسادت عتمة غريبة في غير اوانها. وريح شمالية باردة عصفت بالزرع والأشجار. وما هي إلا دقائق قليلة، حتى انهمر المطر غزيراً. رحنا نعدو بكل سرعتنا حتى تقطعت أنفاسنا. نحاول اتقاء المطر باللجوء إلى السياج دون جدوى، لم يكن هناك بيت أوكوخ نأوي إليه. بلغنا الوادي الذي ما إن اجتزناه حتى تدفقت فيه السيول القادمة من الجنوب، مكتسحة ما في طريقها من حجارة وبقايا أشجار. قال فوزي بصوت لاهث يملؤه الخوف :

…- ارأيت ..؟ لو لم نغادر الوادي في اللحظة المناسبة لابتلعنا الماء.

…- ولكن المطر يغرقنا الآن يا ابن خالتي ..

…- وماذا نفعل وليس لدينا ملابس للغيار..؟

…- المهم أن نصل اولاً يا ابن خالتي .

…وددت لو اقتطف شيئاً من أزهار النرجس ذات الأوراق الزاهية البياض ترصعها النقاط الذهبية المنثورة على ضفتي النهر، لكن المطر أرغمني على الجري وراء فوزي نحو بيارة العم أبو صابر .

…يستقبلنا أهل الدار بترحاب وحفاوة، معربين عن أسفهم لما أصابنا في طريقنا إليهم. فاطمة تهرع إلينا، بادية اللهفة والقلق. تضُّمنا في حنان والدموع في عينيها، ومسحة من الحزن تكسو محياها الشاحب .تأخذنا إلى الداخل لتبديل ثيابنا، وتعلن أن لا سبيل لعودتنا إلى القرية هذا المساء في هذا الجو المخيف. لم يخطر ذلك ببالي من قبل. استهولت الفكرة بقدر ما أحببتها. ولكن ماذا تقول والدتي؟ لا شك أنها الآن جزعة، تصب جام غضبها على شقيقتها التي كانت السبب ..! ".. ما لنا نحن ومال نعمة وأولادها.. وهل يأتينا من ورائهم سوى وجع الرأس ..!"

…قبعنا قريباً من الموقد، نلتمس الدفء ونرقب الجمر المتوهج. الدفء يعم القاعة. والسكينة تسود أرجاءها. ربة البيت، وبناتها الثلاث، داخلات خارجات في حركة دائبة، لكأنما غص البيت بالضيوف الذين يستحقون الاهتمام المبالغ فيه هذا .

روايات · الصفحة ٤٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٣٦