…كان صيفاً حافلاً. رفضت والدتي أن أعمل مع أخي سعيد "فما في كل مرة تسلم الجرة .." وأنا من جانبي لم أرغب في العودة إلى دكان الحلاق أحمد الجمل. لم يبق إذن سوى العمل في الحصاد او في سقي البيارات لكن هذا أكبر من سني وطاقتي .لهذا جَهِد العم عبد الغني أن يسهِّل عليَّ الأمر قدر استطاعته، فجعلني برفقة عامل يسقي له أرضه. كان يريدني أن "أتعلم". غيرأني تساءلت أين هو العلم والتعلُّم في مثل هذا العمل. يجري الماء في القناة إلى أن يبلغ حفرة حول الشجرة.. ينتظر الرجل امتلاءها، ثم يضع كومة من التراب يجرفها بفأسه كي تسد مدخل الحفرة، فيجري الماء إلى الشجرة التي تليها. أرقب الماء ينساب في القناة، رقيقاً صافياً، فوق الحصى المتلألئ، إلى أن يتدفق حول الشجرة فتطفو الأوراق والأعشاب الجافة، فوق رغوة بيضاء، تفور على سطحه، محدثة خشخشة رهيفة، وحفيفاً هامساً، فيما تفوح رائحة التربة رطبة نفاذة. يفعل الرجل ذلك، فيما هو يصدح حيناً بموال أو عتابا، أو " يا ظريف الطول ما شي الواد الواد.. يا ربي تلطف بينا وبالبلاد..". ويأتي من بيارة قريبة صوت آخر، كأنه يحاوره "على دلعونا على دلعونا.. راحوا الحبايب ما ودعونا .."
…ولأن النهار طويل، يزيد من طوله ذلك العمل الواني الرتيب، كان (دياب) لا يدع مطرباً دون أن يردد أغانيه، سليمة او مشوشة.. عبد الوهاب.. "موضة اليوم".. فريد الأطرش.. و شقيقته أسمهان. وأعجب لكثرة ما يحفظ من هذه الأغاني. ويزداد عجبي وإعجابي أكثر حين يحدثني عن أسماء الأفلام التي شاهدها، ورأى فيها هؤلاء المغنين أنفسهم ..!في سينما الحمراء او سينما فاروق بيافا التي كان يزورها مرتين.. بل قل ثلاثاً في كل عام، مما أثار غبطتي وحسدي له. ومنيت نفسي بأن أصنع صنيعه عندما أصبح في مثل سنه..! والدتي..؟ سأقنعها حينئذ..!
…لكنه كان عملاً شاقاً، على الرغم من كل شيء، فعدت أدراجي للعمل في دكان الحلاق أحمد الجمل، عملاً بقول والدتي "الرمد أهون من العمى يا بني..." أضع رغوة الصابون على وجه أبو حسين الشرقاوي.. أو أرش الماء أمام الدكان على الأرض التربة، وجزء من الأسفلت عصر كل يوم، عندما تبدأ فتيات القرية غدوهن ورواحهن حاملات جرارهن. إذا كانت مريم بينهن أثار مرآها اضطرابي وازداد وجيب قلبي.. مريم التي بتُّ أعتقد أن أحداً ما يرقبني مندداً او محذراً حين انظر إليها.
- 17 -