…كان مجيء (مي) إلى صفنا مدعاة لتغيرات جذرية في أوضاعه، بل إلى انقلاب شامل في نظامه وعلاقات أفراده. اسماعيل العطار يتودد إليها. سليمان أبو سليمان يسعى لأن يكون الأثير لديها. نعيم أبو جلاله يحاول أن يقدم لها خدماته المجانية، يحمل عنها حقيبة كتبها.. يعرض أن يبري لها قلم الرصاص.. يسعى لأن يهديها كراساً، أو مسطرة ..! كنا جميعاً ننظر إليها وكأنها صنعت من مادة أخرى غير تلك الطينة التي جبلنا نحن منها. كما أصبحنا أكثر تأدباً وأشد تهذيباً في سلوكنا وحديثنا. كل يبتغي رضاها، المتمثل في ابتسامة او نظرة استحسان تبعث السعادة في نفس من تمنحه إياها سحابة نهاره كله.. وربما امتدت آثارها إلى أحلامه في منامه ..!
…لم يكن أثر الأستاذ شاكر بأقل من أثر ابنته في التغيرات الطارئة، وإن يكن على صعيد مختلف. لقد بعث الرجل في القرية الساكنة حركة ونشاطاً لم نعهدهما منذ زمن. كان يبغي تغيير كل شيء دفعة واحدة :.. عائلتا (النجار) و (أبو سالم) لا بد أن يتم الصلح بينهما.. المدرسة يجب أن ينشأ فيها صف سادس للعام المقبل، وسابع للذي يليه، على أن يتكفل أثرياء القرية بتأمين المال اللازم، الذي لن تقدمه لهم حكومة الانتداب بأية حال..
…..ضرورة الاشتراك في الألعاب الرياضية الموسمية، التي تقام في مدينة الرملة، مركز القضاء. فضلاً عن إنشاء فريق لكرة القدم ..
….. الزراعة لا بد من تطويرها. وذلك باستخدام الآلات الحديثة والمبيدات الحشرية، بدلاً من الاعتماد على الدواب والوسائل البدائية .. البيارات أيضاً. وتصريف برتقالها.. لا بد لها من حل.
….. إيصال الماء إلى كل البيوت.. والكهرباء أيضا.. مركز للبريد.. تعبيد الطرقات العامة.. بل والأزقة الفرعية ..
…القرية تفتقر لكل ذلك، وقد ألفت وضعها هذا حتى أنها لا تفكر في أن شيئاً ينقصها.
…حيوية الأستاذ شاكر من نوع مبهر للغاية، أيقظت فيهم الأحساس بهذا الذي ينقصهم والرغبة في الحصول عليه. وقد اثار هذا حوله لغطاً شديداً، وفضولاً متزايداً. انقسم الناس إزاءه بين معجب بآرائه، ومناهض لها لا يرى فيها إلا تطرفاً غير محمود العاقبة على كل صعيد. بل إن العديد من كبراء القرية رأى فيه خطراً يتهدد مصالحهم، ومراكزهم.