…" ياللي زرعتوا البرتقال.. يا لله اجمعوه آن الاوان".. الأغنية التي حوَّر الناس كلماتها طبقاً للظروف المستجدة إلى.. "يالله (اقلعوه) آن الاوان"، مع ما كان يرافق قولهم هذا من أسى ومرارة. بياراتهم العزيزة على قلوبهم.. يقطعون أشجارها وكأنما يقطعون أوردة دمائهم. ولكن ما حيلتهم، فالحكومة ضيقت عليهم سبل تصديره، واضطر الكثير منهم للاستدانة من البنوك بفوائد فادحة، مقابل رهونات بشروط مجحفة، كي يتمكنوا من الإنفاق على بياراتهم .متجاوزين تحذيرات الشيخ علي العطار، والشيخ محمد أبو العينين من عواقب ذلك دنيا وآخرة.." الفوائد ربا.. والربا حرام أيها الناس.. " يمحق الله آكله.." فيرد هؤلاء بأنهم لن يأكلوه.. لكنهم مضطرون إليه لانقاذ أشجارهم..وهم يدفعون أي يغرمون ..(وإذا كانت البيارات عبئاً علينا اليوم فإنها لن تلبث أن تعود علينا بالنفع والخير العميم في المستقبل، كما كانت فيما مضى..) وفيما بينهم يقولون مامعناه :
(من كانت يده في الماء ليس كمن يده يده في النار)..!
…ويبتهجون بل يستبشرون خيراً حين تدغدغ أسماعهم وتمس شغاف قلوبهم أغنية محمد عبد الوهاب الجديدة.." ما احلاها عيشة الفلاح.. مطمئِّن قلبه مرتاح " فتثير فيهم أحاسيس من الشجن والحنين إلى الأرض والزرع والشجر والندى.. مع ذلك يتساءلون ضاحكين: كيف يكون قلب الفلاح مرتاحاً مع الديون والكساد.. ولا يمنعهم هذا من ترديدها في البيارات والحقول..!
…كنا ندرك ذلك ربما بحدسنا وأحاسيسنا، نحن الصغار، أو بما كان يترامى إلى اسماعنا خلال أحاديثهم في البيوت، أو على المصاطب في العصاري، وما بين المغرب والعشاء. قلق عام ينتابهم، وهموم شاملة مقيمة، تبدو على الوجوه الواجمة، وفي العيون الذابلة، والضحكات الفاترة. لكنهم يعودون للتفاؤل، على الرغم من كل شيء، وتترقرق في عيونهم الدموع وهم يتمتمون، محدثين أرضهم .." مين زيك عندي يا خضرة.. في الرقة يا غصن البان.. ما تجودي عليَّ بنظرة وأنا رايح عالميدان..".
…دخل الشيخ محمد، فكف الصخب، وانقطع سيل الخواطر والتمنيات، وتقافز التلاميذ سراعاً إلى مقاعدهم. حين ساد الصمت نظر إلينا، وفي عينيه، وتقطيبة جبينه مزيج من الحنق والعطف، ثم قال : لا فائدة منكم، شياطين ..(غاب القط العب يا فار) أيها الملاعين..! تنتظرون الفتاة مي.. أليس كذلك ..؟
- 16 -