تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…أخذتني والدتي إلى المستوصف الذي يؤمه طبيب يهودي، يدعى(إسحاق) مرتين في الأسبوع. كان يعالج كافة الأمراض و الإصابات. بدءاً من الإسعافات الاولية، كما حدث لي، حتى الملاريا التي كانت تصيب الكثيرين، مروراً بالرمد الربيعي، والأمراض الجلدية والتيفوئيد والسل الرئوي...! وما أن لحقني الدور حتى كان موعد إغلاق المستوصف قد أزف. و(الخواجة) لا يتأخر عن موعد انصرافه لأي سبب. لكن إلحاف والدتي في الرجاء دفعه، كارهاً، للموافقة على معاينتي. فك الرباط.. مسح يدي بدواء أحسست حرقته تسري في كل أنحاء جسدي. ثم رشَّ مسحوقاً وربط يدي بلفافة من الشاش، فيما هو يستفسر - ولكن بغير اكتراث - عن سبب الحرق، مندداً بالطريقة التي عولجت بها، والتي تنم عن تخلف في الوعي الطبي شديد، مستخدماً العربية بلكنة مكسرة. مردداً باستمراركلمة " يا خبيبي .."

…أحملق فيه غير مصدق وجوده في قريتنا. أهذا الدكتور يهودي ..؟ أهو من اولئك الذين يقولون عنهم بأنهم أتوا لكي يستوطنوا بلادنا..؟ كان بديناً، مكتنز الجسم. له ذقنان، السفلى منهما تمتد من الصدغ حتى الصدغ الآخر. ضخم الأنف محدود به.. حليق الذقن والشاربين. أبيض اللون. يضع على عينيه نظارات مذهبة، زجاجها داكن - تمنيت لو أمتلك واحدة مثلها - لم يبق من شعره إلا القليل على جانبي رأسه، وقريباً من أذنيه. أخرجني من استغراقي في التفرس بوجهه الغريب، حين ربت على ظهري قائلاً:

….. يا لله يا شاطر.. مع السلامة.. الأسبوع الجاي، مثل اليوم أشوفك ..!

…لم تنقطع زيارات رفاقي، وعلى رأسهم نعيم الذي أخبرني أنه قد تقرر نقل مدير مدرستنا الأستاذ عبد الخالق، وأن المدير الجديد سوف يصل هذين اليومين. كان ذلك مدعاة للدهشة. ذلك أن النقل لا يتم عادة في مثل هذا الوقت من العام الدراسي. ولكن ماذا في وسعنا أن نصنع نحن الذين ليس بيدنا من الأمر شيء..؟

روايات · الصفحة ٤٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٢٧