…توافدت الجارات.. غصَّ البيت بالأقارب والجيران في الأيام التي تلت لدرجة أشعرتني بأهميتي الفائقة، مما خفف عني شيئاً من تلك الآلام المبرحة. لا سيما حين جاءت أم مريم تصحبها ابنتها التي بدا عليها التأثر أكثر من غيرها. تلك دموع في عينيها، ولكنها لا تجرؤ على التفوه بكلمة في حضور والدتها. تضاعف سروري عندما غدت تأتي كل صباح، تحمل وعاء مملوءاً بالحليب الطازج، إذ كانوا يملكون قطيعاً من الأغنام، وعدداً من الأبقار الحلوب.
…مكثت في البيت أسبوعاً كاملاً أتاح لي أن ألمس عن كثب مقدار ما تعانيه والدتي في تنشئتنا. لم يكن ذلك خافياً علينا، على أية حال، بيد أنني أصبحت أشهد التفاصيل اليومية الصغيرة التي تمر بها، والتي تشكل في مجموعها عبئاً تنوء بحمله خمس نساء. تكنس باحة الدار المتربة ...تعجن، تمسح أرضية الغرف والمصطبة.. تقطف أوراق الملوخية ثم تفرمها. تطهو.. تغسل الثياب. ثم هي فضلاً عن كل ذلك تطعم الدجاج، وتراقب الأرانب التي كانت تربيها ،كيما توفر لنا مادة غذائية من إنتاج منزلي.! في محاولة منها لتحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي. حتى الخبز في (الطأبون) تصنعه في البيت. كما كانت تزرع الرقعة الصغيرة من الأرض (الحاكورة) المجاورة لبيت عدلة الشامية بالبقدونس والنعناع وشتلات من الفلفل والبندورة. علياء إبان ذلك تلعب او تبكي. ألاعبها، تثورأحياناً ،ولا تجدي كل محاولاتي لإسكاتها. ولكن ثورتها محببة. تنهمر دموعها مدراراً، وفي اللحظة ذاتها تقرقر الضحكة في حلقها. تريد شيئاً باستمرار ... أن يخرج بها أحد إلى الزقاق، أن تقبض على عنق دجاجة، أن تتناول بيضة خرجت لتوها إلى النور، لا تلبث أن تكسرها فوق ثيابها.. تطلب طعاماً.. لا يعجبها.. تسأل عن أبيها. وهنا يأتيها الجواب المعتاد:
…" مسافر يا حبيبتي ..!
…لم تعد تصدق.. تستأنف البكاء ملحة في طلبه. باتت الدموع لا تسعف والدتي كثيراً. وجهها يفصح عن ألم دفين لا حدود له وهي تهدهد علياء، ثم تمضي في متابعة أعمالها العديدة في وجوم لا يفارقها معظم الوقت. الشعور باليتم لا يضاهيه شعور آخر. نحن نحظى بعطف الآخرين، ولكن هذا في حد ذاته مدعاة لمزيد من آلامنا، إذ هو تأكيد على أن وضعنا ليس عادياً، وأننا موضع عطف. لكأني أعيش في فراغ أجوف. معلق في الفضاء، لا أرض تحت قدمي. أفتقد شيئاً استند إليه تماماً كن يقف على قدم واحدة كل الوقت موشكاً أن يسقط في أية لحظة..!