تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…تابع أخي سعيد عمله الجديد، على الرغم من اعتراض والدتي، خشية عليه هو أيضاً، وازداد إقبال الزبائن عليه، وبالتالي تحسن إيراده منه .كما تحسن سلوكه إلى حد ما، فأصبح يعطي والدتنا الفائض من دخله، و لا يدخل المنزل إلا وهو يحمل معه فواكه او طعاماً.. عنب.. تفاح.. علب(بولبيف) أو(طون سردين).. وكم كانت فرحتي ذات صباح حين فتح (الشيخ محمد) باب غرفة الصف للطارق، لأرى سعيد (بشرواله) الأبيض وطاقيته البيضاء عند الباب. تحدث إلى الأستاذ الذي ناداني لكي يناولني سعيد دفاتر وأقلاماً ملونة كثيرة ومسطرة وممحاة وزجاجة حبر. ثم أومأ لي مبتسماً وهو ينصرف. غمرني مزيج من الفرحة والحنو، والأحساس بأنه أخي، بل أبي.. حتى اوشكت أن تطفر من عيني الدموع .

…أغلق الشيخ محمد الباب، ومضى يهز رأسه يميناً ويساراً فيما هو يعود إلى الطاولة بقامته النحيلة ورأسه المكشوف، فبدا أكثر طولاً ولكن أقل هيبة و وقاراً مما كان عليه اول دخوله غرفة الصف. وقبل أن يضع عمامته على الطاولة، ويعلق جبته السوداء على مشجب في الزاوية الواقعة ما بين الباب والسبورة. طلب إلينا مواصلة كتابة درس الانشاء ليواصل هو قراءة الجريدة التي في يده .

…- 15 -

…غداة ذلك اليوم انتظمنا صفوفاً في باحة المدرسة. بعد أن قرع الجرس، وقمنا بالحركات الرياضية المألوفة. لبثنا صامتين في انتظار الإيعاز لنا بالتحرك إلى الصفوف. تحيط بنا أزهار الحديقة وأشجار السرو والصنوبر على امتداد السياج تعصف بها رياح آذار. والرمل المبلل تحت أقدامنا إثر أمطار هطلت في الليلة الماضية. وسحب متقطعة تعبر السماء متجهة نحو المشرق، وعصافير الدوري تتقافز هنا وهناك فوق الأشجار والأزهار، وبين عشب الحديقة الأخضر، طال وقوفنا، هذه المرة، أكثر من المعتاد .

…ها هم الأساتذة يخرجون أخيراً، من غرفة الأدارة، يتقدمهم الأستاذ عبد الخالق. صعد عتبة الباب المرتفعة قليلاً عن سائر الفناء. فيما وقف الآخرون - بمن فيهم المدير الجديد.. قريباً منه.

روايات · الصفحة ٤٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٢٨