…ذات مساء، وفيما كان العمل قائماً على قدم وساق، والزبائن يكتظون من حولنا، انقلب المقلى بمحتوياته جميعاً، دفعة واحدة. تناثرت الأقراص في كل اتجاه، واندلق الزيت على ثيابي ويدي. صرخت..أعولت.. بكيت.. قامت جلبة في المكان. أبدى المتجمهرون أسفهم، كما عبروا عن تعاطفهم بالدعوات والتوجيهات الملائمة:
…
- يا ساتر يا رب.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. احترقت يد المسكين..
…ثم ما لبثت أن انهالت النصائح والاقتراحات العديدة حول كيفية معالجة الموقف. نصح أحدهم بكسر عدد من بيض الدجاج، وصب محتوياته فوق مكان الحرق. واقترحت عجوز استخدام زيت الكاز، فذلك هو العلاج الأمثل للحروق. وامرأة شابة أرتأت أن تغمس يدي في ماء الملح، مؤكدة أن ابنها لم يكتب له الشفاء إلا بهذه الوسيلة. هذا فيما أنا اواصل البكاء، دون أن يخفف ذلك شيئاً من آلامي المبرحة. يبدو أنهم عمدوا، آخر الأمر، للأخذ بكل الاقتراحات المطروحة معاً، ضماناً للشفاء وإيثاراً للسلامة. فلقد صب أحدهم الكاز على يدي من حنفية (البريموس)، فطار صوابي، وأخذت أقفز في مكاني. وجاء آخر ببيضتين، كسرهما على يدي، أما سعيد فقد عمد- بناء على توصية وردت أخيراً - إلى أقراص من (زهرة الغسيل) الزرقاء، حلَّها بالماء ثم دلقها فوق الحرق. إبان ذلك كان الخلاف محتدماً بينهم، إذ لم يكن هناك إجماع على صحة ما كانوا يفعلون، أو على وحدة في الرأي حول صواب التدابير التي اتخذوها..!
ما إن رأتناوالدتي، ونحن ندلف إلى المنزل، حتى أصابها الفزع. امتقع لونها، فأقبلت مهرولة نحونا، صائحة:
…- مالك يمه ..؟ مال أخوك يا سعيد ..؟
…- لا شيء.. لا شيء. حرق بسيط ..!
…صاحت :
…- حرق تقول أيها اللعين ..؟ كيف ..؟ قل لي ماذا جرى للولد ..؟
…- اندلق الزيت على يده..
…- وما الذي دلق الزيت على يده؟ آه أيها المنكوب ..!
…- ولكن ماذا صنعت أنا ؟
…- ماذا صنعت؟ وماذا كنت تريد أن تصنع أكثر من ذلك ..؟ ألست أنت سبب مصائبنا كلها؟ هذا ما كان ينقصنا ..(منين لك هم الله يبعت لك ..) ..(يا نيال من بات بهُّمه القديم..)