…خشي الناس أن يتطور ما حدث إلى نزاع دموي، يشمل سائر أهل القرية. فلقد كان سائداً بينهم أن بعض عائلات "يبنا" من أصل مصري، وفدوا إليها مع حملة ابراهيم باشا، ومنهم من جاء قبل ذلك او بعده، بحكم الجوار بين مصر وفلسطين. وقد أطلق على هؤلاء دوماً(المصريون). أما أبناء البلاد فقد عرفوا بـ(الفلاحين). كانت عائلة النجار من المصريين وعائلة أبو سالم من الفلاحين. والسلطات البريطانية، عززت هذا التصنيف. ولعلها كانت، بالتالي، أكثر الأطراف سعادة بما جرى، وإن هي تظاهرت بغير ذلك، ذراً للرماد في العيون. إذ كان هذا هو التطبيق الأمثل أيضاً لسياستها "فرق تسد" التي عكفت على اتباعها منذ وطئت أقدامها أرض هذه البلاد.
…تم استجواب عديدٍ من الناس، في ديوان المختار، على مدى أيام أربعة، دون أن يسفر التحقيق عن تحديد هوية الفاعل. كما جرى تفتيش عدد من المنازل، ولكن بطريقة مختلفة، هذه المرة. فيما مضى كانوا يتلفون كل شيء تقع عليه أيديهم: يمزقون الأثاث بحرابهم. يدلقون الزيت على الطحين، والملح على السكر. يحطمون الاواني، يهشِّمون الزجاج والنوافذ .لكأن مهمتهم تنحصر في إيقاع أكبر قدر ممكن من الأذى باولئك التعساء. هذه المرة كانوا على قدر، غير مألوف، من الدماثة والتهذيب. فهم لا يدخلون بيتاً إلا بإذن قاطنيه، وبرفقتهم المختار. إذا رفعوا شيئاً أعادوه إلى مكانه بحرص واضح. كل ذلك مشفوعاً بعبارات الأسف والإلحاح في طلب المعذرة.. حتى تساءل الكثيرون.. يا إلهي متى كان هؤلاء كذلك..؟ ومن أيِّ سماء هبطت عليهم هذه الطيبة..؟
…لم يلبث الأمر طويلاً حتى تبين أن خطر الموت قد انحسر عن محمد اليوسف، وذلك بعد أن استؤصلت الأجزاء المصابة من أمعائه .وإن يكن ذلك الخطر لما يزل ماثلاً في محاولات أخرى لاغتياله، قد تقع في أية لحظة عقب عودته المرتقبة. حزن أناس، وابتهج آخرون. الذين حزنوا ودُّوا لو قضى الرجل نحبه، جزاء وفاقاً لما فرطت يداه في حق أهله، والذين ابتهجوا إنما استبشروا خيراً بزوال سبب هام من أسباب الفتنة، في وقت هم فيه أحوج إلى التآزر ضد عدوهم المشترك.
…ومهما يكن من أمر فقد لبث الجميع زمناً، ولا حديث لهم سوى أسطورة محمد اليوسف الذي نجا من الموت - بعد أن مزق الرصاص أحشاءه - لا لشيء إلا لأن (عمر الشقي بقي) ولأن الرجل يملك سبعة أرواح، إن لم يكن أكثر...!