…كان يمر من أمام بيتنا أحياناً. قصير القامة، ممتلئ الجسم، يرتدي بنطالاً من نوع "البريتشز" الانكليزي، منتفخاً عند الفخذين، ضيقاً عند الركبة وحول الساقين، داخل جزمة حمراء ذات أزرار نحاسية، وسترة عسكرية، بجيوب بارزة عند الصدر. وعلى رأسه كوفية وعقال، يطفح وجهه عافية وحيوية. عيناه واسعتان حادتان. في فكه الأعلى سنَّان ذهبيتان. له شاربان كثيفان معقوفان إلى أعلى. يبدو في مظهره عموماً، كطاووس يزهو بريشه، ولكنه، مع ذلك، يدفع بالمرء إلى تهيُّبه وخشيته.
…قيل إن خصومته مع عائلة النجار ترجع إلى سبب وطني. ففيما كان هؤلاء ثواراً مقاتلين كان هو في جانب أعداء الثورة. وقيل إنها قضية شخصية، بينه وبين محمد طه النجار. وأن الرجلين كانا في وقت من الاوقات صديقين حميمين، إلى أن تزوج الأخير من مطلقة الاول، مما أوغر صدر هذا عليه. لا سيما وأن ما حدث قد أكد ما كان يشاع عن علاقة كانت قائمة بين المرأة ومحمد طه النجار قبل الطلاق. بلغ الأمر بمحمد اليوسف أن انضوى تحت لواء معارضي الثورة بزعامة (النشاشيبي) انتقاماً منه، وابتغاء الايقاع به إذا ما سنحت الفرصة لذلك. من هنا توجهت للفور أصابع الاتهام إلى عائلة النجار، وعاد البحث من جديد، ودون هوادة عن عميدها محمد طه.
…لم يمت محمد اليوسف إثر إصابته، فالرصاصات لم تصب منه مقتلاً، وإنما استقرت في أمعائه. وهو الآن يرقد في مستشفى حكومي بمدينة الرملة، حيث تجري له عملية تترتب على آثارها نتائج جمة فيما يتعلق بالعائلتين المتخاصمتين، ومن ورائهما القرية بأسرها.
…ما حدث لم يكن غريباً البتة، فالثورة في عاميها الأخيرين - حسب ما فهمنا من أهلنا ومن حولنا إذَّاك - كرست غير قليل من جهدها في تصفية مناوئيها. الشبهة - وحدها - كانت كافية لأصدار حكم بالموت. مما أدى، في حالات غير نادرة ،إلى وقوع ضحايا بريئة لم تكن تستحق ما حدث لها.