…- أرأيتم؟ هذا أول مكسب لهم. هانحن نختلف من أجلهم وبسببهم. وهذه هي سياستهم المعتمدة في كل زمان ومكان "فرق تسد".
…غادرنا مقهى (أبو داود) والناس ما زالوا في لغطهم حول ما سمعوا. مضينا نتحسس طريقنا في الظلام، وقد تجمعت مياه المطر فتحول الطريق إلى برك. وفي القنوات المنحدرة من أعالي القرية يتدفق الماء غزيراً، والمطر المنهمر تتبدى خيوطه لامعة ممتدة بين السماء والأرض كلما ومض البرق، مصحوباً بهدير رعود تجوب أرجاء الفضاء.
…لم نكد ناوي إلى فراشنا - عقب تناولنا العشاء - في تلك الليلة العاصفة حتى طرقت أسماعنا أصوات طلقات من الرصاص، آتية من الناحية الشرقية. لم نأبه لذلك كثيراً، فقد توقفت الثورة، أو كادت، في الفترة الأخيرة. إلا أننا فوجئنا غداة اليوم التالي حين علمنا أن رصاصات الأمس تمخضت عن حدث هام، سرعان ما أفضى إلى تطورات، نجم عنها انقسام أهل القرية إلى فريقين متنابذين فيما بعد، ولأمد غير قصير.
…حفلت ساحة القرية بعدد وفير من رجال البوليس، لا سيما الخيَّالة (الصواري) ببزاتهم الزرقاء، تزين صدورهم لوحات صغيرة تحمل أرقاماً معدنية لامعة، تسهم في إضفاء غير قليل من المهابة عليهم. ضباط عرب وانكليز يتحركون في نشاط دائب، تحت وابل من المطر. ترشق سنابك جيادهم الماء المتجمع في الحفر والمنخفضات، وتثير بجلبتها جواً من الرهبة، فيما اتخذ بعضهم من دار المختار مقراً لعمليات الاستجواب.
…(محمد يوسف أبو سالم) كان المستهدف بتلك الرصاصات التي أطلقت عليه في جوف الليل، فيما هو عائد إلى منزله مع عدد من رفاقه وحراسه. كان الرجل محسوباً على الانكليز إبان الثورة.ومن ثم فقد دأب هؤلاء على إحاطته برعايتهم، وحمايتهم أيضاً. فأمام بيته وضع حرس خاص. وعلى سور ذلك البيت، الواسع الأرجاء، نصبت أضواء كشافة تمسح ما حوله، طوال الليل، اتقاء هجوم مباغت.وبات الرجل ذا نفوذ كبير لدى السلطات، وصاحب الكلمة الاولى، التي تتجاوز مخاتير القرية ووجهائها جميعاً. حتى إن من كانت له قضية مع تلك السلطات، ما عليه سوى أن يتوجه بها إلى محمد اليوسف- هكذا أصبح يعرف اختصاراً - وهو عندئذ كفيل بحلها على خير وجه. ولم يكن الثمن الذي يتقاضاه لقاء خدماته مالاً بأي حال، وإنما ولاء له، أو وجاهة يعزز بهما مكانته.