تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…دلفت إلى الداخل. مسحت المكان بنظرة سريعة. ذاك أخي سعيد، مع آخرين، بالقرب من جهاز الراديوالضخم، ينصتون باهتمام واضح. وكأنما أزعجتهم حركتي المفاجئة حين اصطفق الباب لدى دخولي، إذ انصرف إليَّ شيء من انتباههم. أشارت أكثر من يد تطلب إليَّ الصمت. سعيد وحده أشار إليَّ بالاقتراب. توقفت حيث كنت. أصخت السمع بدوري، لهذا الشيء الذي يستمعون إليه من الراديو، والذي بلغ من أهميته ما جعلهم يلتصقون به التصاقاً حميماً كخلية نحل تحيط بملكتها ..‍‍‍‍!

…".. وإن حكومة صاحب الجلالة تعد شعب فلسطين بمنحه الاستقلال في أقرب فرصة ممكنة بعد انتهاء الحرب مع المحور. وما على هذا الشعب الكريم سوى أن يخلد إلى الهدوء مطمئناً إلى هذا الوعد..."

…ساد الوجوم. وأخذ الحضور يتبادلون النظرات، وفي عيونهم تساؤلات حائرة قبل أن ينفضوا من حول المذياع، وتعلو أصواتهم في تعليقات مختلفة. منهم من أصر على أن الانكليز لا يفون بوعد، وتاريخهم مع العرب منذ الحرب العالمية الاولى خير شاهد على ذلك. وعود بلا حصر.. الكتاب الأبيض.. اللجان المختلفة ..ثم لا شيء. وإبان ذلك كله تمضي الهجرة في تدفقها، ويمكنِّون لليهود في الأرض بشتى الوسائل و السبل. إنهم لا يرومون سوى الخديعة وصرفنا عن أهدافنا السامية.. كم شهيداً ذهب من قريتنا وحدها حتى الآن على أيديهم..؟ بل هل كفُّوا عن ملاحقة رجالنا كأسعد الرنتيسي ومحمد طه النجار؟ ألم يحكموا بالإعدام، ذات مرة، على واحد وعشرين مجاهداً دفعة واحدة بتهمة قتل شاويش، لا ندري أهو انكليزي أم يهودي ..!؟

…بعض آخر رأى، أن يعطوا فرصة أخرى، فلعلهم يصدقون هذه المرة تحت ضغط الظروف المستجدة. ولن يخسر أحد شيئاً، إذ إن هناك احتمالات شتى مرتقبة أسوؤها لهم هو في صالح العرب. من هذه الاحتمالات أن يمنوا بالهزيمة في الحرب، فنكون قد وفرنا على أنفسنا الكثير من الضحايا والجهود. أما اذا انتصر الحلفاء على المحور، لا سمح الله - قال أحدهم - فقد تصدق بريطانيا هذه في وعدها، وهو ما نأمل، وقد تنكث بعهدها، فنعود عندئذ إلى النضال ونحن أكثر قوة وأفضل عتاداً عن ذي قبل، لثورة طويلة المدى محققة النتائج، في الوقت الذي يكونون فيه قد خرجوا لتوهم من الحرب منهوكي القوى، مثخنين بالجراح، عاجزين من ثم، عن التصدي لثورتنا.

قال واحد من الحضور:

روايات · الصفحة ٤٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤٢٠