…قفزت إلى مخيلتي، على الفور أحداث قصص الخالة خضرة، وأشباح القتلى أضحت كثيرة في هذه الأيام.. ربما في كل شارع.. ولا بد أن واحداً منها سوف يلقاني ..! أخرجتني من تصوراتي حركة أمي، وهي تنهض، وتمد يدها إلى السراج، تتناوله في رفق، محاذرة أن ينطفئ. ثم تمضي معي إلى باب الدار. تفتحه قليلاً بالقدر الذي يكفي لمروري، ولتسرب حزمة من الضوء تنير قليلاً باحة الدار. لم يبدد ذلك شيئاً من مخاوفي، إذ كانت باحة دارنا بالذات هي أكثر مكان أخافه. لا سيما تلك الزاوية التي يقع فيها الكهف الكفري المهجور، والذي لم يكن أحد يعرف كنهه أو ماهيته، وإن كانوا - الأهل والجوار - يجمعون على أنه مكان مرصود، وأنه السكن المفضل لعدد من الجان المغرمين بمداعبتنا، نحن - الأنس - وإقامة علاقات ودية.. وربما غرامية بين بعض منا وبينهم ..!
…انطلقت في الطريق المتعرج، بحفره ونتوءاته. حالك الظلمة، خالٍ من السابلة تماماً. تلفت في اتجاهات مختلفة.. في المنعطفات.. عند مداخل البيوت الموحشة.. أتلمس شيئاً من الطمأنينة في ومضة شعاع، أو نبرة صوت، تنسرب من فرجاتها.. أنظر إلى السماء الملبدة بالغيوم بحثاً عن بصيص ضياء يصدر عن نجم تائه بين السحب. الهواء يلفح وجهي.. حبات المطر الكبيرة تتساقط فوق رأسي. هذا دكان أبو العبد الرملاوي.. في الداخل كل الأشياء والحاجيات نائمة الآن.. السكاكر.. علب اللحمة والسردين.. رائحة العطارة.. هذا دكان أحمد الحلاق، يغرق في صمت لا يعرف مثله إبان النهار.. كأنه يدعوني للاحتماء به، فنحن متعارفان.. منزل خالتي نعمة، يطل النور من وراء النافذة، لعلها تعدُّ العشاء لفوزي وفتحي وفاطمة وبقية البنات. إنهم ينعمون بالدفء الآن. الأسفلت الوحيد في قريتنا يلمع تحت المطر و وميض البرق الخاطف.. هنا تماماً سقط أبي في ذلك الصباح الأسود. أصرخ.. أنكب عليه باكياً.. الناس يتجمعون.. الموكب الثائر.. توشك الدموع أن تطفر من عيني.. لو كان حياً لما تجرأ سعيد على تأخره حتى هذا الوقت. وما كنت لأخرج الآن للبحث عنه.. .
…لاحت الجميزة عن كثب. كتلة فاحمة تربض في الأفق، تملأ ما بين السماء والأرض. أخذ خوفي ينحسر بعض الشيء، إذ أصبحت على مقربة من محل (أبو درويش). لكنه مغلق. مقهى أبو داود المجاور، وحده يشع منه الضوء وصوت الراديو.