…حين تذكرَّتْ أن أخي سعيد قد تأخر، نقَّلت بصرها بيننا وبين موقد النار، تتوهج في أطرافه جمرات يغشى جوانبها رماد رقيق. وفي ركن منه إبريق معدني أزرق يتعالى البخار من فوهته مشبعاً برائحة الشاي والميرمية، شرابنا المفضل ..!
….. أتراه قد تأخر بسبب العمل عند (أبو درويش)؟ إذا كان الأمر كذلك فهو هيِّن. لقد بات قلبها شديد التوجس في هذه الأيام. خطر لها أن ترسلني في اثره مستطلعاً. وعلى الرغم من أن هذه الفكرة قد راقتها إلا أنها لم تطمئن إليها كثيراً، إذ هي بنفس القدر تخشى عليَّ من مكروه يصيبني في ذهابي أو إيابي. زادها توتراً وميض برق لمع في تلك اللحظة مخترقاً شقوق الباب والنافذة، تلاه هدير رعد ترددت اصداؤه في الأفق، وبدأت زخات المطر تقرع السقف والنوافذ. السقف يدلف من جديد. قامت لتضع عدداً من الاواني في الأماكن التي ينساب منها المطر. القطرات المتساقطة تطرق هنا وهناك مرسلة أصواتاً رتيبة مقلقة. شعرت بالحنق يملأ جوانحها. كم من مرة أوصيته - ذلك اللعين - بألا يتأخر عن أذان العشاء. (إنه لا يسمع لي كلاماً منذ وفاة ابيه.. الله يرضى عليك يا أمين ..!
…الليل يتوغل، والظلام يتكاثف، والدوريات تبدأ جولاتها عما قليل، ولن يمنعها هذا الجو العاصف. لربما صادفته إحداها.. يا مصيبتي عندئذ ..! تسمع وقع أقدامهم كل ليلة، تسبقهم صيحاتهم المعربدة ورطانتهم المثيرة للفزع. وجدت نفسها تقول بعد تردد :
…- قم يا بني.. اسأل عن أخيك عند (أبو درويش) لنشرب الشاي معاً حين تعودان. تحركت في غير حماسة، وقد سرت عدوى خوفها إلى نفسي، فالخوف، كالوباء تماماً، ينتقل بالعدوى. لكنه كان خوفاً من نوع آخر. إنه الخوف من الظلام.. والعفاريت ..!
…المطر ينهمر.. الرعد يقصف.. تصفر الريح..وتتمايل الأشجار.جاء المطر مبكراً جداً هذا العام.