…قبيل الغروب بقليل من ذلك اليوم جيء بقصاع الطعام، فمدت اعداد وفيرة منها داخل السرادق وخارجه، على امتداد الساحة، كي يتسنى للجميع أن ينالوا نصيبهم منها. عبق الجو برائحة المفتول، واللحم، ومرق البصل ،والقرع. تحلق عدد من الرجال حول كل قصعة (باطية). وإذا ما اقترب منهم أحد الصغار أفسحوا له مكاناً، أو صرفوه عنهم ليجلس مع أمثاله، وما هي إلا دقائق قليلة حتى أتوا على ما في القصاع. وأخذ الناس يتفرقون، فيما عمد بعضهم إلى رفع الآنية الخاوية، تمهيداً لما بعد الغروب، حيث يقدم الناس إسهامهم العيني لأهل الفقيد. تأتي النساء وفوق رؤوسهن صواني ملأى بالأرز الجاف، مغروساً في وسطه قالب كبير أو اكثر من السكر، هرمي الشكل ملفوفاً بورق أزرق فضلاً عما يحمل الرجال من قراطيس ملأى بالشاي و البن. أما الموسرون، والأكثر قربى من تلك الأسرة، فيجلبون خروفاً، تماماً كما يفعلون في مناسبات الأفراح .
…حين عدت ظهيرة اليوم التالي من المدرسة، ألفيت السرادق قد أزيل من مكانه، وليس في ذلك المكان سوى مخلفات من الورق والمسامير والقش والرماد. وغلمان يلعبون اتخذوا من تلك المخلفات أدوات للعبهم، كرات يتقاذفونها بأقدامهم، بعد أن وضعوا حقائبهم، وكتبهم أرضاً، والهواء يعصف بأوراقها. صخبهم يملأ المكان. لقد عاد كل شيء إلى ما كان عليه قبل أيام .
…طرقت سمعي، حين عدت إلى دارنا، أصوات بكاء، ورأيت من خلال البوابة، المفتوحة على فناء دار السحوة، بعض النسوة بثيابهن السوداء الخالية من التطريز. وعلى رأسهن الحاجة أم سايحة والخالة خضرة .
…دلفت إلى منزلنا فألفيت والدتي مطرقة يرتسم على محياها وجوم حزين.. قبلت يدها.. ضمتني إليها.. وانخرطت في بكاء صامت رغماً عنها .
- 13 -
…أذن المؤذن للعشاء، وسعيد لم يعد إلى المنزل بعد. وآذان العشاء - لا سيما في تلك الأيام - إيذان للناس بانقضاء الحد الأقصى للسهر في أمسيتهم تلك. من ثم، كان على الذين لم يؤبوا إلى بيوتهم حتى تلك اللحظة أن يفعلوا ذلك قبل أن يوغل الليل .
…أما بالنسبة لأمي فقد كان الآذان، بمواقيته الخمس، هو التوقيت الذي تعتمد عليه في تنظيم شؤون حياتها اليومية، خاصة بعد أن باعت المنبه الذي لحق بأشياء أخرى باعتها على التوالي، منذ ألمت بنا الفاجعة، لتغطية النفقات الضرورية : حذاء لعلياء، شورت لأمين، حسب تعليمات معلم الرياضة، دفاتر وأقلام. المهم ألا يعلم أحد بمدى الفاقة التي نعاني .