تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…يا إلهي هل يمكن أن يكون هذا المكان مقراً دائماً للعم عبد السحوة منذ الآن؟ هل معنى هذا أننا لن نراه يمر أمام بيتنا بعد اليوم.. كأبي.. أبي يقيم الآن في ظلام كهذا مخيف.. لا يأكل.. لا يشرب.. لا يرى اولاده.. هنا يبقى في الليل والنهار.. في الصيف.. وفي الشتاء.. منذ الآن وعلى مدى الزمان.. كل ذلك يا عم عبد من أجل رصاصة فارغة.. ويا أبي من أجل لا شيء على الاطلاق..! ألا يملون الرقاد هنا؟ ألا يخافون العتمة؟ ألا يشتاقون لنا ؟

…- إذا ما جاءك الملكان، ثم سألاك.. قل لهما ...

…أي ملكين سيسألانه ..؟ كيف ..؟ وداخل القبر ..؟

…صفٌّ من الرجال وقفوا قرب القبر، بعد أن رشَّ بالماء، وغرست للتو في تربته الهشة أزهار وسعف نخيل. الناس يمّرون بهم الهوينا، يصافحونهم واحداً واحداً، في صمت مطبق. وعندما هم الجميع بالانصراف، وقفت على مقربة مجموعة من الفتيان، أخذت تنشد في نغم حزين، تلقائياً، ودون أن يطلب إليهم أحد ذلك :

…يا ظلام السجن خيم / إننا نهوى الظلاما /

ليس بعد الليل إلا / فجر مجد يتسامى .

…أقيم سرادق كبير في ساحة سيدنا وهب. علقت بداخله وخارجه أعداد من المصابيح - اللوكس - أضاءت أرجاء الساحة بنور باهر، أثار في نفوسنا، نحن الصغار، فرحاً غامراً، بدد الحزن من نفوسنا. بسطت الحصر، وجلس الناس على فرش من فوقها يستمعون إلى المقرئ الضرير الذي جيء به من يافا. شجيُّ الصوت، حزين النبرات. تسمع عند كل مقطع يقف عنده الشيخ، آهات الاستحسان لجمال الصوت، أو لجلال المعنى، مصحوبة بغمغمات تدعو للفقيد، وتترحم عليه، طالبة من المولى، عز وجل، أن يسكنه فسيح جناته، فالشهداء (أحياء عند ربهم يرزقون).

…كان ذلك، بالنسبة لنا، مهرجاناً مسلياً، على الرغم من كل شيء : نلعب على مقربة من السرادق.. نعدو.. نتشاجر. وربما نغني، ناسين الجو المكفهر المحيط بنا، مما يضطر بعضهم إلى انتهارنا، كيما نكف عن عبثنا الذي يفسد عليهم متعة الحزن والتفجع ..! ويدور أحدهم بفناجين القهوة، يصب قطرات من إبريق نحاسي عتيق لا تزيد على رشفة واحدة، سرعان ما تتلاشى بين شفتي الشارب، ثم يعيد هذا الفنجان مشفوعاً بحركة من يده متفق عليها عرفاً، تعني الأعادة أو الأكتفاء .

روايات · الصفحة ٤١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٤١٥